في « رحمن » و « رحيم » من الرحم ، والرحم هو مكان الجنين في بطن أمه ، وهو منتهى الحنان . ولذلك جاء في الحديث القدسي عن صلة الرحم : وفيه يقول اللّه عز وجل :
( أنا اللّه وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمى فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ) « 1 »
( حديث قدسي )
إذن فكلمة « الرحمن » وكلمة « الرحيم » مأخوذتان من الرحم ، والحق حنّان على عباده ، وعطوف عليهم ، ولذلك فالعاصى لا يصح أن يستحى أن يهتف « باسم الله » وأن يقول في بداية أي عمل يشرع فيه :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
إنه بذلك يمنع عن نفسه الغرور بأنه قدر بذاته ، بل إنه قدر على الأمر بالتسخير منه سبحانه وتعالى ولا يحرم نفسه الثواب عليه في الآخرة ، وحين يقول المؤمن :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
فهو يدخل في حماية اللّه ، وإذا قيل « رحمن » فهي مبالغة ، وإذا قيل « رحيم » فهي مبالغة .
لكن إياكم أن تفهموا أن صفات اللّه عز وجل تتأرجح بين القوة والضعف ، فمرة يكون راحما ومرة يكون رحمانا ومرة يكون رحيما ، لا ، لأن صيغ المبالغة إنما تأتى في الأغيار ، ويقال : فلان عالم وفلان علّام أي أكثر علما من العالم ، وفلان علّامة أي أكثر علما من العلّام ، فالصفات في البشر تتغاير ، لكن عند الحق سبحانه وتعالى لا تضعف صفة وتقوى أخرى . وإنما متعلقات الصفة هي التي تكثر أو تقل . فأنت تقول :
فلان آكل ، وفلان أكاّل وفلان أكول . والأكول لا يأكل رغيفا واحدا على سبيل المثال مثل الآكل ، لكنه قد يأكل خمسة أرغفة في المرة الواحدة ، والأكّال قد يأكل خمس مرات بدلا من ثلاث ، فالمبالغة تأتى مرة في الحدث وهو هنا الأكل ، ومرة تكون المبالغة في الفعل .
أقول ذلك حتى نعرف أن الصفات في البشر - وهم أحداث - تتغاير ، أما بالنسبة للحق سبحانه وتعالى فهو لا يتغير ولا تتغير صفاته ، بل تضعف متعلقات الصفات
هامش
( 1 ) رواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي .