سيدتنا مريم ، ذلك أن مريم ستتعرض لمحنة لم تتعرض لها امرأة في العالم ، فأراد اللّه عز وجل أن يؤنس بشريتها حتى لا تتزلزل أفكارها ويعلمها أن تقول :
إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
وفي ذلك إيناس لمريم لما سيجرى عليها من خروج على الناموس فتلد من غير ذكر . لقد عرفت أن الحق يرزق من يشاء بغير قانون ، ورأت أمامها تجربة زكريا عليه السّلام عندما أعطاه اللّه الولد بعد أن جاء على لسان زكريا :
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
[ مريم : 8 ]
ورأت مريم أن ذلك على اللّه هين :
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
[ مريم : 9 ]
وعندما يأتي لها الملك متمثلا في هيئة البشر ليبشرها بغلام ، تقول :
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
[ مريم : 20 ]
يقول الملك :
كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ
[ مريم : 21 ]
وتلد مريم الولد ، وهكذا خرق اللّه بقدرته الناموس .
ونتذكر أن الحق سبحانه وتعالى حين كرر الاصطفاء لمريم في القرآن الكريم كرره لحكمة :
يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
[ آل عمران : 42 ]
فالاصطفاء الأول هو اصطفاء قيمي تدخل به في دائرة المصطفين الأخيار ، والاصطفاء الثاني لمريم عندما ولدت دون أن يمسها بشر ؛ لذلك كان اصطفاؤها على نساء العالمين ، فكل امرأة تلد بوساطة رجل ، أما مريم فقد اصطفاها اللّه عز وجل لتلد دون رجل . ولهذا حدد اللّه أشخاص هذه القصة ؛ لأن امرأة أخرى لن يحدث لها مثل ذلك ، ولكن بعض قصص القرآن الكريم لا يأتي فيها تحديد لأشخاص مثال ذلك قصة أهل الكهف .
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً
[ الكهف : 13 ]