المؤمن في الآخرة . إنه يستفيد من عطاءين لا من عطاء واحد . ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
( 1 ) [ سبأ ]
والمؤمن ساعة يرى نتيجة عمله في الدنيا لصالح نفسه فهو يقول : الحمد للّه .
وساعة يرى عطاء اللّه له في اليوم الآخر من حسن الثواب فهو يقول أيضا : الحمد للّه .
الحمد للّه أولا والحمد للّه آخرا .
اذن فساعة تقول : « باسم الله » وأنت مقبل على أي عمل . فأنت تعترف أنك تدخل على العمل بلا حول منك ولا قوة ولا طول ، وإنما بيقين أن اللّه سبحانه وتعالى هو الذي يسخر لك هذا العمل . ولو لم يسخر اللّه لك ما أمامك من كائنات لما انفعلت لك ، أو أعطت ثمرة .
وأنا لا أمل من ضرب هذا المثل من الأنعام ، تلك الأنعام التي يستأنسها الإنسان بإرادة التسخير التي خلقها اللّه تعالى ، فهناك بعض من الحيوانات التي لا نستطيع أن نستأنسها : نحن نستأنس الجمل ، وقد تستأنس الفيل ، ولكن لا يستطيع أحد منا أن يستأنس ثعبانا صغيرا أو ذئبا لأن الحق ترك هذه الكائنات منطلقة ولا يستطيع الإنسان أن يستأنسها ، حتى يعلم الإنسان أنه لا حول له ولا قوة ، وأنه لو لم يذلل اللّه له بعضا من الحيوانات ، لما استطاع أن يذلل أي شئ منها ، والدليل على هذا هو وجود حيوانات لا نستطيع أن نذللها ، والحق سبحانه وتعالى يقول :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ
( 72 ) [ يس ]
إذن فلو لم يذللها اللّه تبارك وتعالى لما استطعنا نحن تذليلها ، وترك اللّه بعضا من الوحوش غير مستأنسة ليخبرنا أننا لا نملك مطلق طاقة التذليل والتسخير ، ولكنه سبحانه وتعالى هو الذي يخلق طاقة التسخير والتذليل فيما يشاء لمن يشاء . وهذا تنبيه واضح للإنسان حتى لا يضل وحتى لا يأخذه الغرور . فإذا أقبلت على أي عمل