وكان يكفل مريم عليه وعليهاالسّلام ، ويأتي لها بالطعام والشراب فدخل عليها مرة فوجد عندها لونا من الطعام لم يكن قد أتى به ، فقال لها تلك المقولة المشهورة التي تعلمنا كيف ندير أمور حياتنا بلا فساد أو سماح بفساد لأبنائنا وبناتنا ، قال لها :
أَنَّى لَكِ هذا
[ آل عمران : 37 ]
إنه يعلمنا الرقابة على من نكفلهم ، ففساد البيوت ينشأ من عدم الرقابة على الأولاد ، فالأم إن رأت قلم حبر فاخرا - على سبيل المثال - مع الابن ولم يحضره له أبوه ولم تسأله « من أين لك هذا ؟ » فهذا تستر على فساد في الابن وقد يكبر في الفساد من بعد ذلك . والأم إن رأت بعضا من الملابس التي لم تحضرها لابنتها ، والابنة ترتديها ؛ عليها أن تسأل وتدقق بأسلوب « أنّى لك هذه ؟ » حتى لا تنحرف الابنة ، ولو أن الزوجة تتنبه إلى أسلوب تصرف زوجها وإنفاقه الذي قد يفوق مرتبه كثيرا وتسأله بحسم : « أنى لك هذا ؟ » فهي تحمى زوجها وبيتها من المال الحرام .
إن مبدأ « أنى لك هذا ؟ » لو سيطر على المناخ العام للمجتمع لامتنع الفساد من جذوره . وقد أطلق الحق هذا التساؤل على لسان سيدنا زكريا عليه السّلام لمريم بعد أن كفلها :
يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا
[ آل عمران : 37 ]
هنا قالت مريم :
هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ آل عمران : 37 ]
إذن واجه سيدنا زكريا خرقا سماويا للناموس .
وكان زكريا عليه السّلام يريد لنفسه أن يدخل ضمن دائرة :
إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
فدعا ربه أن يرزقه غلاما رغم أنه قد بلغ من الكبر عتيا ، وأن زوجه عاقر ، ما دام الحق يرزق من يشاء بغير حساب فليدع اللّه :
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ
[ آل عمران : 38 ]
وجاءت البشارة من اللّه تعالى بيحيى ، وتحقق لزكريا ما آمن به من أن اللّه سبحانه وتعالى يرزق من يشاء بغير حساب . ولنا أن ننتبه إلى أن هذه المسألة جرت بين يدي