أن يجعلك يا محمد تقرأ ، وإن لم تتعلم القراءة . وهذا ليس بالأمر العزيز أو الصعب على الخالق ،
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
؛ لا باسم أنك قد تعلمت ، فربك هو الذي خلق الإنسان من علق ، وربك هو الأكرم ، الذي علم بالقلم وعلم الإنسان ما لم يعلم ، فأنت لن تقرأ مما تعلمته من البشر ، ولكنك تقرأ مما تعلمته من خالق البشر .
ونحن في موقف مع رب الأسباب :
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
[ العلق : 3 ]
والإنسان منا حين يتعلم القراءة والكتابة فهو يتعلمها من إنسان مثله ، وهي دليل على كرم اللّه تعالى لأنه نقلها من إنسان إلى إنسان ، ولكن حين تتعلم من غير ذلك فهذا هو الموقف الأكرم . إذن فهناك « كريم » وهناك « أكرم » كأن الحق سبحانه وتعالى يقول لمحمد : أنت لا تقرأ باسم أنك تعلمت ولا باسم أنك حافظ ، وإنما تقرأ باسم ربك ، وإن لربك مطلق القدرة إذا أراد شيئا فهو يقول سبحانه وتعالى :
كُنْ فَيَكُونُ
[ يس : 82 ]
إذن فقد قرأ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن أولا باسم اللّه . ونحن نتلوه أيضا باسم اللّه . ولا بد أن نأخذ « بسم اللّه » من زاويتين : الزاوية الأولى هي فيما نلحظه من لغة البشر ، فإذا ما تكلم إنسان في أمر من الأمور ويريد إقناعك به وتأييدك له فأنت تقول له : باسم من تتكلم ؟ . .
فيقول لك : أنا أتكلم يا سيدي باسم السلطة . وقد تكون هذه السلطة هي النيابة أو الشرطة أو الضرائب . إذن جاء لك بالصفة التي يتكلم باسمها .
ونحن في هذه الحياة المعاصرة نجد الحاكم مثلا يفتتح خطبه قائلا « باسم الشعب » ويكون ذلك هو مدخل الحاكم للحديث في أي أمر .
والزاوية الثانية هي أنك حين تتكلم باسم اللّه فأنت تعرف أي قدرة مطلقة تقبل على العمل بها . فأنت تذهب إلى الأرض لتحرثها ، فتعطيك الزرع ، وأنت تعلم أنك لم تخلق الأرض ، ولا تعرف عدد العناصر التي فيها ، وأنت كذلك لم تخلق البذور التي تبذرها في الأرض ، ولا أنت الذي ستنزل الماء من السماء لتروى الأرض . كل ما في