متلوا باسم اللّه ، وها نحن أولاء مع رسول اللّه حينما كان في غار حراء يتعبد ، وجاء له الوحي فقال له :
اقْرَأْ
[ العلق ]
واقرأ تتطلب أحد أمرين ؛ الأمر الأول هو أن يكون المتلقى لها قد حفظ شيئا فيقرأه .
والأمر الثاني أن يكون أمام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كتاب فيقرأه ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن عنده محفوظ ، ولم يكن أمامه مكتوب . فضلا عن أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان لا يعرف القراءة والكتابة . ولهذا تساءل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما أنا بقارئ . وكان صلّى اللّه عليه وسلم منطقيا مع نفسه في هذا الرد .
وقال الملك جبريل ثانيا : اقرأ ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما أنا بقارئ .
أتعرفون لماذا كان هذا التكرار ؟ كان ذلك في فحواه ردا على شعوذة أثارها خصوم الإسلام وأعداؤه بعد مجىء رسالة الإسلام بأربعة عشر قرنا ؛ حينما قالوا : إن القرآن هو بعض من وساوس وأحاديث في نفس محمد . لكن ها نحن أولاء أمام الرد . لقد جاء الملك جبريل ليقول لمحمد :
« اقْرَأْ »
وها هو ذا رد محمد « ما أنا بقارئ » .
إننا إذن أمام شخصيتين متميزتين ، شخصية آمرة جازمة ، وشخصية متمنعة ، فلو كانت المسألة مسألة حديث نفس أو وسوسة ، لما كان هناك سبب لوجود الشخصية الامرة ، ووجود الشخصية الثانية الممتنعة ، وكل شخصية منسجمة مع صفاتها وقدراتها ، فالشخصية التي تقول : « اقرأ » هي الآمرة بالقراءة . والشخصية التي تقول « ما أنا بقارئ » هي شخصية تعرف الأسباب وقدر الأسباب وتعرف مواقعها من الأمية . إذن فهنا شخصيتان متميزتان لا شخصية واحدة .
وحين يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أنا بقارئ » فهو منطقي مع نفسه ومع الواقع . وحين يقول الملك جبريل مبلغا عن ربه :
اقْرَأْ
فهو يقرئه باسم ربه ، لا لأنه قارئ ولا لأنه كاتب . كأنه يقول له : إنك يا محمد ستقرأ باسم ربك لا باسم تعليمك . ويتتابع الوحي :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ
فكما خلق الحق سبحانه وتعالى الإنسان بقدرته من علق ، هو قادر على