تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4795

مساهمون:

ص٤٧٩٥
ونحن نرى أن المقياس هنا ليس بعدد المقاتلين فقط ، ولكن لا بد أن يكونوا موصوفين بالصبر ، وفي آية أخرى بالصبر والمثابرة ، فمن الجائز أن يصبر عدوك فعليك حينئذ أن تصابره ، أي إن صبر قليلا ، تصبر أنت كثيرا ، وإن تحمل مشقة القتال ، تتحمل أنت أكثر . إذن فالقوة القتالية لكي يتحقق بها ولها النصر لا بد أن تكون قوة صابرة قوية في إيمانها قادرة على تحمل شدة القتال وعنفه . ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى تعليل هذا الحكم الإيمانى الذي أبلغنا به فيقول عز من قائل :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
( 65 ) ( من الآية 65 سورة الأنفال ) إذن فالسبب في أن المؤمن يغلب عشرة من الكفار ، هو أن الكفار قوم لا يفقهون ، وما داموا لا يفقهون ، يكون المقابل لهم من المؤمنين قوما يفقهون . وهنا نقارن بين المؤمنين الذين يفقهون ، والكفار الذين لا يفقهون ونقول : إن الكافر حين يقاتل لا يعتقد في الآخرة ، وليس له إلا الدنيا ويخاف أن يفقدها ، ولذلك حين يوجد الكافر في ساحة الحرب فهو يريد أن يحافظ على حياته ولو بالفرار ، ولكن الدنيا بالنسبة للمؤمن رحلة قصيرة والشهادة هي الفوز برضوان اللّه ودخول الجنة بلا حساب ، ولذلك فإنه يقبل على القتال بشجاعة من يريد الاستشهاد . ونجد خالد بن الوليد يقول للفرس : أتيتكم برجال يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة . فلو أن الكفار فقهوا أي فهموا أن الدنيا دار ممر ومعبر للآخرة ، وأن الآخرة هي المستقر لأنها الدار الباقية ، لا متلكوا قوة دافعة للقتال ، ولكنهم يريدون هذه الحياة لأنها بالنسبة لهم هي كل شئ . ولذلك يعلمنا القرآن الكريم فيقول :