سأجمع كل قوتى وأقفز قفزة هائلة ، وإن لم يكن قياسه صحيحا ، يسقط في الماء ، ذلك لأنه أخطأ وصورت له أداة الاختيار أنه يستطيع أن يفعل ما لا يقدر عليه . إذن فالمحكوم بالغريزة هو الأوعى .
وعندما نأتى إلى الأكل ، نجد الحيوان المحكوم بالغريزة أكثر وعيا ؛ لأنه يأكل فإذا شبع لا يذوق شيئا . ولو جئت له بأشهى الأطعمة . فأنت لا تستطيع أن تجعل الحيوان يأكل عود برسيم واحدا ، أو حفنة تبن ، أو حبة فول بعد أن يشبع ، وتجده يدوس على ما زاد عن حاجته بقدميه . وتعال إلى إنسان ملأ بطنه وشبع وغسل يديه ، ثم قالوا له مثلا : أنت نسيت الفاكهة ، أو نسيت الحلوى ، تجده يعود مرة أخرى ليأكل وهو شبعان ؛ فيتلف معدته ويتلف جسده . ولذلك تجد الإنسان مصابا بأمراض كثيرة لا تصيب الحيوان ؛ لأنه يسرف في أشياء كثيرة ، بل تجد أن الأمراض التي تصيب الحيوان معظمها من تلوث بيئة الحيوان مما يفعله الإنسان .
والحق سبحانه وتعالى يريد أن يخبرنا أن الدابة المحكومة بالغريزة خير من الكافر ؛ لأن الدابة تؤدى مهمتها في الحياة تماما . بينما لا يؤدى الكافر مهمته في الأرض ، بل يفسد فيها ويسفك الدماء ، وبذلك يكون شرا من الدابة . ولقد قلنا : إن الدّابة تحملك من مكان إلى مكان ولا تشكو ، وتحمل أثقالك ولا تتبرم . وتظل سائرة فترة طويلة وأنت جالس فوقها فلا تضيق بك وتلقيك على الأرض ، لقد خلقت لهذه المهمة وهي تؤديها كما خلقت لها دون شكوى أو ضجر ؛ لأنها محكومة بنظام دقيق تتبعه وتنفذه . ولكن الإنسان اخترع السيارة وطور فيها ، وقد يجلس أمام مقعد القيادة ويصيبه التعب فينعس ويقع في حادثة فيصاب فيها ويصيب غيره أيضا .
وكان من المفروض أن يتبع الإنسان في حياته منهج ربه الذي أنزله إليه ، لكن من البشر من كفر وأخذ يعربد في الكون ، وبذلك يكون شرا من الدابة ؛
تفسير الشعراوى — صفحة 4765
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٤٧٦٥