ولا يتقون وينقضون عهدهم ؛ فيأتي فيهم القول الحق :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 57 ]
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 )
أي إن وجدتهم في أي حرب فشرد بهم من خلفهم .
ولنا أن نلحظ أن كلمة « إما » هي إن الشرطية المدغمة في « ما » إذا ما حذفنا منها ما ، نجد أنها تصبح إن ، كأنه يقول : « إن ما » ، وأدغمت نون « إن » في « ما » ، مثلها مثل أن نقول : إن جاءك زيد فأكرمه ؛ هذه جملة شرطية فيها شرط وجواب وأداة شرط ، ولكنه إذا تم مرة واحدة يكون قد انتهى . ولكن « ما » مع إن الشرطية تدلنا على أنه كلما حدث ذلك فإننا نفعل بهم ما أمر اللّه تعالى به ، كما نقول : كلما جاءك زيد فأكرمه ؛ لأن إما هذه تتضمن ما يفيد الاستمرارية ، مثل « كلما » فكلما جاءك تكرمه ولو جاء مائة مرة ، ولو لم تجىء « ما » لكان يكفى أن تصنعها مرة واحدة .
وقوله تعالى :
تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ،
ثقف بمعنى وجد ، أي كلما وجدتهم في الحرب : فشرد بهم من خلفهم ، أي اجعلهم أداة لتشريد من خلفهم .
وعليك أن تؤدبهم أدبا يجعل الذين وراءهم يخافون منكم ، ويبتعدون عنكم ، وكلما رأوكم أصابهم الخوف والهلع ، وكما يقول المثل العامي : « اضرب المربوط يخاف السايب » . أي أن المطلوب أن نجاهدهم بقوة وبدون شفقة ، حتى لا يفكر في مساندتهم من جاءوا خلفهم لينصروهم أو يؤازروهم بالدخول معهم في القتال ، ولا تحدثهم أنفسهم في أن يستمروا في المعركة ، فشرد بهم ، والتشريد هو التشتيت والتفريق والإبعاد ولكن بقسوة . فحيثما يريدوا أن يذهبوا ؛ امنعهم وشتتهم على غير مرادهم . وقول الحق سبحانه وتعالى :
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
أي لكي تكون هذه التجربة درسا لهم ؛ كيلا يفكروا مرة أخرى في حرب