لأن الكافر لا يستخدم عقله في أولويات الوجود ، وهو لو استخدم عقله لعرف أنه أقبل على كون قد أعد إعدادا دقيقا ؛ شمس تضئ نصف الكون لتعطيه النهار ، وتغرب ليطل قمر يضئ بالليل يؤنسه في الظلام ؛ ونجوم تهديه الطريق في البر والبحر ، ومطر ينزل لينبت الزرع . وحيوان مسخر له يعطيه اللبن واللحم ويحمل أثقاله . كان لا بد - إذن - للإنسان صاحب العقل أن يفكر : من الذي خلق له كل هذه النعم ؟ لأن هذه هي من أولى مهمات العقل الذي يفكر ، ويدلنا على الخالق . وكان لا بد في هذه الحالة أن يعرف الإنسان بعقله أن الذي صنع له كل هذه النعم وسخرها له لا بد أنه يريد به خيرا . ولذلك إذا جاءه المنهج من السماء عليه أن يتبعه ؛ لأنه يعلم أن هذا المنهج خير ما يصلح له ؛ لأنه جاء من خالقه .
وفي هذه الحالة كان لا بد لأمور الكون أن تستقيم . ولكن بعضا من بنى الإنسان ستروا وجود اللّه وكفروا به ولذلك يوضح لنا الحق تبارك وتعالى أنهم شرّ من الدواب ، لأنهم لا يؤمنون .
ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 56 ]
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ( 56 )
وبعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الكافرين الذين حاربوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ينتقل هنا للكلام عن الجماعة التي عاهدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أن يكفوا عنه شرهم ، وألا يتعرض لهم الرسول ، وهم اليهود ، فهل ظلوا على وفائهم بالعهد ؟ لا . بل نقضوا العهد .