تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4764

مساهمون:

ص٤٧٦٤
واختيار . وقد حدث ذلك لأن الغراب محكوم بالغريزة . إذن فكل ما يقوم به الحيوان من سلوك هو باختيار اللّه سبحانه وتعالى ؛ لأن الحيوان مقهور على التكاليف . ومن رحمة اللّه تعالى أن المخلوقات باستثناء الإنسان خلقت مقهورة ؛ تفعل كل شئ بالغريزة وليس بالعقل ، ولكن الإنسان الذي كرمه اللّه بالعقل يكفر ويعصى . رغم أن الحق أنعم على الإنسان بنعمة الاختيار . ومن العجيب أننا نجد الحيوان المحكوم بالغريزة لا يخرج سلوكه عن النظام المجبول عليه ويؤدى مهمته كما رسمت له تماما ، فالدابة مثلا تلد ويأخذون وليدها ليذبحوه فلا تنفعل ؛ لأن هذه مهمتها في الحياة أن تعطى للإنسان اللحم . والحمامة ترقد على بيضها وعندما يخرج الفرخ الصغير تتولاه لفترة بسيطة جدا حتى يعرف كيف يطير وكيف يأكل ثم بعد ذلك تتركه ؛ ليؤدى مهمته ؛ لأنه محكوم بالغريزة . والغرائز لا تخطئ . ويتصرف بها الحيوان بدون تعليم له . فإذا جئنا للإنسان نجد أن ألوان السلوك المحكومة بالغريزة فيه لا يتعلمها ؛ إذا جاع طلب الطعام دون أن يعلمه أحد كيف يشعر بالجوع ، فهذه غريزة . وإذا عطش طلب الماء دون أن يعلمه أحد معنى العطش ولا كيف يشرب . وكل واحد منا في الغرائز متساو مع الآخر . ونجد الغنى والفقير والحاكم والغفير إذا شعروا بالجوع طلبوا الطعام ، وإذا شعروا بالعطش طلبوا الماء . فكل شئ محكوم بالغرائز لا يوجد فيه تغيير . ومن العجيب - مثلا - أن الحمار حين يريد أن يعبر مجرى مائيا ينظر إليه ، وبمجرد النظرة يستطيع أن يعرف هل سيعبره أو لا ، فإن كان قادرا قفز قفزة واحدة ليعبر ، وإن لم يقدر بحث عن طريق آخر . ولا تستطيع أن تجبر حمارا على أن يعبر مجرى مائيا لا يقدر على عبوره ، ومهما ضربته فلن يستجيب لك ولن يعبر . أما الإنسان إن طلبت منه أن يعبر قناة مائية فقد يقول لنفسه :
تفسير الشعراوى — صفحة 4764 | محمد متولي الشعراوي