مع الآية الأولى ؟ . نقول : لأن هناك فرقا دقيقا بين كل منهما . فالآية الأولى يقول فيها الحق تبارك وتعالى :
كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ *
وفي الآية الثانية يقول فيها :
كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ
( من الآية 54 سورة الأنفال )
والآية الأولى تدل على أنهم كفروا بالآيات الكونية المثبتة لوجود اللّه تعالى وآيات الرسل وآيات الكتب التي أنزلت إليهم ، وفي هذه الآية كذبوا بآيات ربهم أي لم يصونوا النعم التي أعطاها اللّه لهم ، فنعم اللّه عطاء ربوبية ، وتكاليفه ومنهجه عطاء ألوهية ، وهم في الآية الأولى كذبوا بعطاء الألوهية ، أي كفروا بالله . وفي الآية الثانية كذبوا بعطاء الربوبية أي بنعم اللّه ، فعطاء الربوبية هو عطاء رب خلق من عدم وأمد من عدم لتكتمل للإنسان مقومات حياته . واللّه يساوى في عطاء الربوبية بين المؤمن والكافر وبين العاصي والطائع ، ولا يفرّق بينهم بسبب الإيمان أو الكفر .
وهنا يقول المولى سبحانه وتعالى :
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ
( من الآية 54 سورة الأنفال )
أي لم يكن بينهم مؤمن وكافر بحيث يكون هنا تفرقة بأن ينجى المؤمنين ويغرق الكافرين ، بل كلهم ظلموا أنفسهم بالكفر ؛ لذلك قال الحق سبحانه وتعالى :
وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ ،
وذكر سبحانه آل فرعون بالتخصيص ؛ لأنهم الأمة الوحيدة التي بقيت حضارتها تدل على مدى تقدمها ، هذا التقدم الذي لم نصل إلى كل أسراره حتى الآن . ولا يمكن أن تنتهى مثل هذه الحضارة إلا بقوة أعلى من قوتها . فكأن الحق قد أراد أن يلفتنا إلى آل فرعون بالذات ؛ لأنه قدر