وهنا يقول الحق تبارك وتعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا
( من الآية 31 سورة الأنفال )
ونفهم من التلاوة أن المقصود هو آيات القرآن الكريم . فماذا قالوا ؟
قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
( من الآية 31 سورة الأنفال )
وقولهم :
« لَوْ نَشاءُ »
هذا يدل على أنهم لم يقولوا ؛ لأن « لو » حرف امتناع لامتناع ، مثلما تقول : لو جئتني لأكرمتك ، فامتنع الإكرام منى لامتناع المجىء منك ، فهذا يعنى امتناع لامتناع ، ومثلما يقول قائل : لو عندي مال لا شتريت قصرا ، ولأنه لا يملك مالا ، فهو لم يشتر القصر - إذن هم لم يشاءوا ولم يقولوا ؛ لذلك كان كلامهم مجرد « تهويش » وتهديد لا محل له . فلم يحصل منهم هذا ولا ذاك .
إذن ثبت الإعجاز . لقد ثبت لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طلب منهم أولا أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، وحين قالوا : إن القرآن كثير ولا يقدرون أن يأتوا بمثله ، تحداهم بأن يأتوا بعشر سور ، وحين فشلوا ، تحداهم بأن يأتوا بسورة ، فلم يأتوا ، وكان هذا تدرجا في الإعجاز .
لقد تحداهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومعنى التحدي حفز المتحدّى أن يجند كل ما يقوى عليه ليرد التحدي . فإن لم تتجمع لهم المواهب التي تكفل قبول التحدي انسحبوا ؛ لكن واحدا منهم اسمه « النضر بن الحارث » ذهب لفارس ، ورأى كتابا هناك يضم أساطير وحكايات ، وجاء ليقول وسط قريش : هأنذا أقول مثل محمد . لكن كلامه لم يكن له هدف ولا يحمل منهجا ولا توجد لكل كلمة فيه قدرة جذب لمعنى ، ولم يوجد في قوله أي معنى جاذب للكلمة ، لذلك انصرف عنه القوم .