إذن فلست وحدك لأنك تأوى إلى اللّه ، ويكشف اللّه لك كل مكرهم ، وهذا المكر والتبييت مكشوف ومفضوح من اللّه ؛ لذلك يقول لك المولى سبحانه وتعالى :
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
( من الآية 30 سورة الأنفال )
والمكر منهم له وسائل وغايات ، هم يمكرون ليثبتوك ، ويمكرون ليقتلوك ، ويمكرون ليخرجوك . وكل لقطة من الثلاثة لها سبب . فحين علم كفار قريش أن أهل المدينة من الأوس والخزرج قد بايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أن ينصروه ؛ هنا فزع كفار قريش وأرادوا أن يضعوا حدّا لهذه المسألة ، فاجتمعوا في دار الندوة يريدون أن يجدوا حلا يوقف رسالة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودخل عليهم أعرابي فوجدهم يتشاورون ؛ وقالوا لنثبته ، والتثبيت ضد الحركة ، وقوله :
« لِيُثْبِتُوكَ »
أي ليقيدوا حركتك في الدعوة ؛ لأن هذه الدعوة تزلزلهم . ولولا الرسالة ، لظلوا على الترحيب بك يا رسول اللّه ، فقد كنت في نظرهم الصادق والأمين ، ولم يرهقهم إلا التحرك الأخير لإشاعة منهج اللّه تعالى في الأرض ، لذلك أرادوا أن يقيدوا حركته صلّى اللّه عليه وسلم .
والتقييد إما أن يكون بأن تمنع المتحرك عن الحركة ، وإمّا أن تقيد المتحرك نفسه فتحدد مجال حركته . إذن فالتثبيت يكون بالقيد أو السجن ، وقيل لهم :
إن هذا رأى غير صائب لأنكم لو قيدتموه أو سجنتموه فسوف يقوم قومه ويغيرون عليكم ، أو يحتالون ليفكوا عنه القيد أو السجن ، وقد سبق لكم أن حاصرتموه فلم تفلحوا ، وقال آخر : نخرجه من بلادنا ، وناقشوا هذا الأمر فلم يجدوه صوابا ، وقالوا : إنه إن خرج ، فلسوف يؤثر فيمن يخرج إليهم تأثيرا يجعل له منهم أتباعا ، يأتون إلينا من بعد ذلك ليقاتلونا ، وأشار الأعرابي بقتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لكن كبار قريش قالوا : نخاف من