من تجربة حسّية مرت بأكثر من إنسان ثم صارت قضية عقلية يعرفها الإنسان وإن لم ير نارا وإن لم ير إحراقا .
وعندما تجتمع المحسات تتكون عند الإنسان خمائر معنوية وقضايا كلية يدير بها شؤونه العامة ، ومثال ذلك : إننا نعرف جميعا أن المجتهد ينجح ، وأخذنا هذه الحقيقة من الواقع ، تماما كما أخذنا الحقيقة القائلة : إن المقصر والمهمل كل منهما يرسب .
وسبحانه وتعالى ينبهنا إلى هذه فيقول :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
( من الآية 78 سورة النحل )
أي أن الإنسان منا مخلوق وهو خالى الذهن ، وخلو الذهن يطلب الامتلاء ، وكل معلومة يتلقاها الذهن الصغير يستطيع أن يستظهرها فورا ، ولذلك نجد التلميذ الصغير أقدر على حفظ القرآن الكريم من الشاب الكبير ؛ لأن هذا الشاب الكبير قد يزدحم ذهنه بالمعلوم العقلي .
وقد شرح لنا علماء النفس هذه المسألة حين قالوا : إن لكل شعور بؤرة هي مركز الشعور . والأمر الذي تفكر فيه تجد المعلومات الخاصة به في ذهنك فورا .
وقد تتزحزح هذه المعلومات من ذاكرتك إذا فكرت في موضوع آخر ، كما تتزحزح المعلومات الخاصة بالموضوع السابق إلى حافة الشعور لتحل مكانها المعلومات الخاصة بالموضوع الجديد في بؤرة الشعور .
والحيز في المعنويات مثله مثل الحيز في الحسّيات ، فأنت حين تملأ زجاجة بالمياه لا بد أن تكون فوهة الزجاجة متسعة لتدخل فيها المياه ويخرج الهواء الذي بداخل الزجاجة . لكن إن كانت فوهة الزجاجة ضيقة كفوهة زجاجة العطر مثلا