ونعلم أن القائل هو رب حكيم ، وأسلوبه على أعلى ما يكون . وحتى نفهم هذه المسألة ، نحن نعرف أن كل حدث له هيئة يقع عليها وله غاية ينتهى إليها ، فمرة يوجد الحدث ، لكن الغاية منه لا تتحقق ، مثلما يقول الوالد لولده : لقد قرب الامتحان فاجلس في حجرتك وذاكر . ويجلس الولد في حجرته وأمامه كتاب ما يقلب صفحاته ، وبعد ساعة يدخل الأب حجرة ابنه ليقول : هات كتابك لأسألك فيما ذاكرته . ويسأل الأب ابنه سؤالا ثم ثانيا فلا يعرف الابن الإجابة عن الأسئلة ، فيقول الأب : ذاكرت وما ذاكرت . أي كأنه لم يذاكر ، بل فعل الفعل شكليّا ، بأن جلس إلى المذاكرة ، ولم يؤد ما عليه لأن أثر الفعل وهو المذاكرة لم يتحقق .
وفي غزوة بدر استنجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بربه واستغاث ودعا اللّه ورفع يديه فقال :
( يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا ، فقال له جبريل :
خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم ) فأخذ صلّى اللّه عليه وسلّم قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم فما من المشركين أحد إلّا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين « 1 » ومعلوم أنه ساعة تأتى ذرة تراب في عيني الإنسان يشتغل بعينيه عن كل شئ . إذن فقول الحق تبارك وتعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
( من الآية 17 سورة الأنفال )
أي أنك يا رسول اللّه ما أرسلت بالرمية الواحدة - حفنة التراب - إلى عيون كل الأعداء ؛ لأن هذه مسألة لا يقدر عليها أحد ، ولكنك
« إِذْ رَمَيْتَ »
أي أديت نصيحة جبريل لك ، أما الإيصال إلى عيون العدو فهذا من فعل اللّه
هامش
( 1 ) رواه الطبري والقرطبي وابن كثير .