تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 3876

مساهمون:

ص٣٨٧٦
إذن فالعداوة لها فائدة ، وإياك أن تظن أن في أي مظهر في الوجود يغلب اللّه على مراداته في كونه ، والشر له رسالة لأنه لولا أن الشر موجود ويصاب الناس من أذاه لما تحمس الناس للخير ، فالذي يجعلنا نتحمس للخير هو وجود الشر ، وأوضحنا من قبل أن الباطل جندي من جنود الحق ؛ لأن الباطل حين يعض ويعربد في الناس يتساءل الناس متى يأتي الحق لينقذنا ، وأنك ساعة ترى مريضا يتألم إياك أن تظن أن الألم قد جاءه دون سبب ، بل الألم جندي من جند الشفاء . وكأن الألم يقول لمن يصيبه : يا إنسان تنبه أن عطبا في هذا المكان فسارع إلى علاجه . ولذلك نجد أعنف الأمراض وأشرسها وأخبثها ، هي الأمراض التي تأتى بلا ألم يسبقها ، ولا تظهر أعراضها إلا بعد أن يستعصى شفاؤها ، وهكذا نرى أن الألم جندي من جنود العافية . وحين يكون لك عدو في الحارة أو في البلدة وعيونه مركزة عليك فأنت تخاف أن تقع منك هنة وعيب حتى لا يشنّع عليك ؛ لذلك تسير على الصراط المستقيم لأنك لا تريد أن تنصره على نفسك . والشاعر القديم ، الذي أعجبه الشعر فشطره . يقول لك :
عداى لهم فضل علىّ ومنة * فعندي لهم شكر على نفعهم ليا
فهم كدواء والشفاء بمرّه * فلا أبعد الرحمن عنى الأعاديا
هم بحثوا عن زلّتى فاجتنبتها * فأصبحت ممّا دنس العرض خاليا
وهم أججوا جهدي ولكن ببغضهم * وهم نافسونى فاكتسبت المعاليا
لذلك لابد أن تنظر إلى كل شئ بحكمة إيجاد الحكيم له فقد شاء الحق أن يوجد الأعداء للدعوة الإسلامية حتى تنتصر وتقوى .
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ
( 112 ) ( سورة الأنعام ) وجعل الحق سبحانه وتعالى الأعداء للأنبياء ، مهيّجين ومثيرين للنبي ولأتباعه ؛ لأن الأمر إذا حصلت فيه معارضة من مخالف أججت في نفس المقابل قوة حتى لا يهزم