تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 3879

مساهمون:

ص٣٨٧٩
« يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ »
ومن الذي يوحى ؟ ومن الذي يوحى إليه ؟ ليس لنا دخل بهذا الموضوع ، إنما الوحي : هو إعلام بخفاء ، إن كان إلهاما في النفس ، أو إن كان بالإشارة أو بالدس ، أو إن كان بالوسوسة ، أو إن كان بواسطة رسول نحن لا نراه ، كل ذلك أساليب الوحي الشامل للخير والشر . وإذا كان الوحي من شياطين الجن فهل يوحون إلا بشر ؟ نعم . وكذلك هناك شياطين من الإنس يوحون أيضا بشرّ . مصداقا لقوله الحق
: « يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ »
وزخرف القول ، المقصود به أنهم يدخلون على المسائل بالتزيين ، فيزينون للناس الشهوة ، ولذلك سماها ربنا « وسوسة » ، ونعلم أن المعاني حين يؤخذ لها ألفاظ تؤخذ من الأشياء الحسيّة ، والوسوسة هي صوت الحلى ، وقد اختار اللّه لما يفعله الشياطين من الإنس والجن للفظ الموحى بالمعنى المراد لأن وسوسة الحلى تغرى بالنفاسة وعظم القيمة ، والوسوسة طريقها هو الخفاء .
« يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ »
وهم شياطين من الإنس والجن ، إنس يوحى لإنس بأن يزين له المعصية والشهوة ، وكثيرا ما يقع ذلك . وجنّى يوحى لجنّى ؛ لأن الجن مكلّف أيضا . وكذلك يوحى الجن للإنس .
« يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ »
الزخرف . هو الشئ لمزين ظاهره لكن باطنه فاسد ، ولذلك قال عز وجل :
وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا . .
( 35 ) [ سورة الزخرف ] أي أمورا مزخرفة ظاهرا ، لكن ليس لها عمق أو عمر أو نفاسة .
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً . .
( 112 ) [ سورة الأنعام ] وذلك ليغروهم ويخدعوهم ليفعلوا ويقترفوا المعصية ، وإن لم يأتوا للمعصية بكلمات تزخرفها وتزينها فلن يستطيعوا أن يدخلوا بها على الناس ؛ لذلك يعرضون ويبدون محاسن المعصية في ظاهر الأمر ، مثال ذلك أنك لا تجد من يقول لآخر :