تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 3889

مساهمون:

ص٣٨٨٩
أهي كلمة أو كلمات ؟ أنها كلمة ولكن فيها كلمات . إذن لفظ « كلمة » تطلق ويراد بها اللفظ المفرد ، وتطلق ويراد بها الكلام . والكلمة في الأصل لفظ مفرد ، أي لا يكون معها لفظ آخر ، ولكنها تدل على معنى ، فإذا كان المعنى غير مستقل بالفهم ؛ ويحتاج إلى ضميمة شئ إليه لنفهمه فهذا حرف ، وأنت تقول : « في » وهو لفظ يدل على الظرفية ، إلا أنه غير مستقل بالفهم ؛ لأن الظرف يقتضى مظروفا ومظروفا فيه ، فتقول : « الماء في الكوب » لتؤدى المعنى المستقل بالفهم . وكذلك ساعة تسمع كلمة « من » تفهم أن هناك ابتداء ، وساعة تسمع كلمة « إلى » تعلم أن هناك انتهاء . وإن كان يدل على معنى في نفسه وهو غير مرتبط بزمن فهو الاسم . وإن كان الزمن جزءا منه فهو « الفعل » . أما « الكلام » فهو الألفاظ المفيدة . وحين تسمع « سماء » تفهم المعنى ، وكذلك حين تسمع كلمة « أرض » وهو معنى مستقل بالفهم . وحين تسمع كلمة « كتب » فهي تدل على معنى مستقل بالفهم ، والزمن جزء من الفعل ، فكتب تدل على الزمن الماضي و « يكتب » تدل على الحاضر و « سيكتب » تدل على الكتابة في المستقبل . إذ ف « الكلمة » لفظ يدل على معنى فإن كان غير مستقل بالفهم فهو حرف . و « الكلمة » قد يقصد بها الكلام . وقوله الحق :
« تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ »
تعنى الكثير . فإن إردت بها القرآن فالمقصود هو كلمة اللّه . وكلام اللّه نسميه « كلمة » لأن مدلوله كلمة واحدة . انتهت وليس فيها تضارب ، هذا إن أردنا بها القرآن ، ولتفهم أن القرآن قد استوعب كل شئ ، وكل قضية في الوجود وأيضا لم ينس أو بدّل فيه حرف ؛ بل بقي وسيبقى كما أنزل ؛ لأن الآفة في الكتب التي نزلت أنهم كتموا بعضها ونسوا بعضها ، وحرفوا بعضها ، وكان حفظها موكولا إلى المكلفين ، ومن طبيعة الأمر التكليفي أنه يطاع مرة ، ويعصى مرة أخرى . وإن أطأعوا حافظوا على الكتب ، وإن عصوا حرفوها بدليل قوله الحق :
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ . .
( 44 ) [ سورة المائدة ]