ويوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا إذن فهذه معركة ، وحتى يتم الفصل فيها لا بد من حاكم يحكم . فأوضح الحق : يا محمد أنا أرسلتك ، ولك أعداء وسيكيدون لك بكذا وكذا ويبذلون قصارى جهدهم في إيذائك ومن اتبعك ، فإياك أن تبتغى حكما غيرى ؛ لأنى أنا المشرع وأنا من أحكم ، وأنا الذي سوف أجازى .
لماذا ؟ لأن الخلاف على ما شرع اللّه ، ولا يستقيم ولا يصح أن يأتي من يقول مراد المقنن كذا ، أو المفسر الفرنسي قال كذا ، والمفسر الإنجليزى قال كذا ، لا ، إن الذي يحكم هو من وضع القانون ، ومراداته هو أعلم بها ، والحق الواضح هو أعلم به ، وسبحانه هو من يحكم ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم يقول :
( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلى فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها ) « 1 » .
أي إياك أن يقول واحد : إن النبي قد حكم ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد حكم بظاهر الحجة ، وقد يكون واحد من المختصمين قوى الحجة ، والآخر لا يجيد التعبير عن نفسه . إذن فالحكم هو اللّه لأنه هو الذي قنن ، وما دام هو الذي قنن وهو الذي يحكم بينكم ، فليطمئن كل إنسان يتخاصم مع غيره ؛ لأن القضية يفصل فيها أعدل العادلين وأحكم الحاكمين .
ولذلك يقول الحق سبحانه :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 114 ]
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114 )
فسبحانه هو من يحكم وهو من قنن ، وهو من يعلم القانون ويعلم من يتبع
هامش
( 1 ) رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة .