وقبل أن يولد علم النفس جاء القرآن بوصف الطبيعة البشرية بمراحلها المختلفة من إدراك ووجدان ، ونزوع ، والشرع لا يتدخل عند أي مظهر من مظاهر شعور المرء إلا عند النزوع إلا في حالة واحدة حيث لا يمكن فصل النزوع عن الوجدان وعن الإدراك ؛ لذلك يتدخل الشرع من أول الأمر ، وهو ما يكون في عملية نظر الرجل إلى المرأة ؛ لأنك حين تنظر تجد في نفسك : تحبها وتعشقها تفتن بها ، ومحرم عليك النزوع ، فحين تتقدم ناحيتها يقول لك الشرع : لا . ولأن هذا أمر شاق على النفس البشرية ، ولا يمكن فصل هذه العمليات ؛ لأنه إن أدرك وجد ، وإن وجد نزع ، فأمر الحق بالامتناع من أول الأمر :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ . .
( 30 ) [ سورة النور ]
وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ . .
( 31 ) [ سورة النور ]
إذن فقد منع الإدراك من بدايته ولم ينتظر حتى النزوع ، لماذا ؟ لأن الإدراك الجمالى في كل شئ يختلف عن الإدراك الجمالى في المرأة . الإدراك الجمالى في المرأة يحدث عملية كيماوية في الجسم تسبب النزوع ، ولا يمكن فصلها أبدا .
(
وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ
) .
وساعة ما نقول : « ما » ويأتي الإبهام فهذا دليل على أن هناك أمورا كثيرة جدا .
ولذلك يقول الحق :
. . فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ
( 78 ) [ سورة طه ]
أي أنه أمر لا يمكن أن تحدده الألفاظ ، مثله مثل قوله : (
وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ
) .
أي أن كل واحد يقترف ويكتسب ويعمل ويرتكب ما يميل إليه ؛ فهناك من يغتاب أو يحسد أو يسرق وغير ذلك من شهوات النفس التي لا تحدد ؛ لذلك جاء لها باللفظ الذي يعطى العموم .
وما دامت المسألة في نبوّة واتباع نبوّة ، وفي أعداء شياطين من الإنس والجن