ألك اختيار أن يقع عليك حجر وأنت تمشى ؟ . لا .
ألك اختيار في أن يصيبك سائق سكران ؟ لا .
ألك اختيار في أن تموت أو لا تموت ؟ . لا . لقد جعل اللّه فيك الأمرين الاثنين :
قهرك في أمور . والقهرية تثبت له - سبحانه - القدرة وطلاقتها ، وجعلك مختارا في أشياء ، والاختيار يثبت صحة التكليف .
ويتابع الحق مذيلا الآية :
« فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ »
لأن افتراءهم وكذبهم وزعمهم الباطل لن يغير من حقيقة الأمر شيئا ، وهم يرون أن افتراءهم يعوق الدعوة ، لا ، فقد صار افتراؤهم وكيدهم وعداوتهم للنبي وقودا مهيّجا للدعوة ؛ لأن يخلص الدعوة من الشوائب ويصهر المؤمنين بها ويخرج منهم خصال الشر ويملأهم بخلال الخير .
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ . .
( 17 ) [ سورة الرعد ]
ولو لم يكن هناك مهيّجات لهذه المسائل لدخل الدعوة العاطل والباطل ولاندس فينا من لا يعرف قيمة الإيمان ؛ لذلك يمحص اللّه الدعوة بالأعداء وبالقوم الذين يقفون أمامها حتى لا يكون في حملة الدعوة أحد من ضعاف العقائد وضعاف الإيمان ، وهم الذين يخرجون هربا من مسؤوليات الإيمان ولا يبقى إلا أصحاب الرسالة الذين يخلصون الصدق مع اللّه وينقيهم اللّه بواسطة الأعداء . ولذلك قال :
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا . .
( 47 ) [ سورة التوبة ]
فمن الحكمة أنه - سبحانه - ثبط عزيمتهم وضعف رغبتهم في الانبعاث والخروج معكم .
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
( 46 ) [ سورة التوبة ]