لزم عليه تشتيت الضّمائر » ، وأدام الكلام بأنّ تحيّتهم محمولة إمّا على ما شاع بين العرب من قولهم : « أنعم صباحا » ، أو ما قلّدوا فيه اليهود وقالوا : « السّام عليك » ، كما قلّدوهم في قولهم له عليه السّلام : ( راعنا ) ، فأنزل اللّه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا . . .
البقرة : 104 .
فيبدو أنّه قد وقع خلط في تفسير الآية بين ما نزل بشأن اليهود ، وبين ما نزل بشأن المنافقين التّابعين لليهود .
وكلام الطّبريّ ليس بعيدا عن ذلك أيضا ؛ حيث قال : « وإذا جاءك يا محمّد هؤلاء الّذين نهوا عن النّجوى - وكانوا معدودين من جملة المسلمين - الّذين وصف اللّه جلّ ثناؤه صفتهم ، حيّوك بغير التّحيّة الّتي جعلها لك تحيّة . وكانت تحيّتهم الّتي كانوا يحيّيونه بها - الّتي أخبر اللّه أنّه لم يحيّه بها فيها جاءت به الأخبار - أنّهم كانوا يقولون :
السّام عليك » . فلم يذكر اليهود بل ذكر الّذين نهوا عن النّجوى ، وهم المسلمون دون اليهود .
ويؤيّد ذلك ذيل الآية - وهي حكاية عن المنافقين قطعا - :
وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ ،
لاحظ ن ج و : « النّجوى » .
الثّانية :
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ،
وفيها بحوث أيضا :
1 - جاء في التّفسير والحديث أنّ المراد بها السّلام وجوابه ، وأنّ السّلام تطوّع ، والجواب فريضة .
2 - قد عمّموا الآية لغير المسلمين كالمجوس وأهل الكتاب إذا سلّموا على المسلم ، إلّا أنّه يجيبهم : ( وعليك ) ولا يزيد .
وعن ابن عبّاس وغيره أنّ الزّيادة
بِأَحْسَنَ مِنْها
للمسلمين و
أَوْ رُدُّوها
لأهل الكتاب . ولا دلالة في الآية على ذلك ، بل ظاهرها ، أنّ كلّا منهما عامّ ، واختاره الطّبريّ ، بل قال : « وذلك أنّ الصّحاح من الآثار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه أوجب على كلّ مسلم ردّ تحيّة كلّ كافر بأحسن من تحيّته . . . » .
3 - في حديث الإمام الصّادق عليه السّلام : « من بدأ بالكلام قبل السّلام فلا تجيبوه » وفي آخر : « إنّ اللّه عزّ وجلّ قال :
إنّ البخيل من يبخل بالسّلام » . وفي آخر : « إذا سلّم أحدكم فليجهر بسلامه ، ولا يقول : سلّمت فلم يردّوا عليّ ، ولعلّه يكون قد سلّم ولم يسمعهم . . . » .
4 - وجاء في الأحاديث : أدب الزّيادة ، وأنّ منتهى السّلام الّذي لا يزاد عليه في الجواب هو « السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته » .
5 - وعن الزّجّاج والطّوسيّ نقلا عن النّحويّين : « أنّ ( الأحسن ) هاهنا صفة لا تنصرف ، لأنّه على وزن « أفعل » وهو صفة ، والتّحيّة هاهنا : السّلام ، وهي « تفعلة » من حييت . وزاد الفخر الرّازيّ : « وكان في الأصل تحيية مثل التّوصية والتّسمية ، والعرب تؤثر « التّفعلة » على « التّفعيل » في ذوات الأربعة ، نحو :
وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ
الواقعة : 94 ، فثبت أنّ التّحيّة أصلها التّحيية ، ثمّ أدغموا الياء في الياء » .
هل المراد بقولهم : إنّ ( أحسن ) صفة أنّه ليس تفضيلا ، فهذا خلاف الآية والأحاديث ؛ إذ جاء ( أحسن )