تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 843

مساهمون:

ص٨٤٣
الاستعارة أو المجاز المرسل ، واعتبار تقدير المضاف ممّا ذهب إليه الزّمخشريّ وكثير ، وهو الّذي يعوّل عليه » ، وهو مثل سابقه . وكذا ما جاء عن « الكشف » وابن عاشور من المناقشة وجوابها ، فلاحظ . 6 - أشار ابن عاشور في :
إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ
إلى نكات أدبيّة وتشريعيّة بعضها موضع نظر : أ - إنّ حرمة أذى النّبيّ كانت مقرّرة في نفوسهم فلم ينه عنه ، بل نبّه على أنّ سكوته عليه السّلام ليس عن رضى منه لمكثكم في بيته ، بل ناشئ عن استحيائه . ب - بدأت ب ( إنّ ) للاهتمام به ، وبإقحام فعل ( كان ) لإفادة تحقيق الخبر . ج - جاء ( يؤذى ) بصيغة المضارع دون اسم الفاعل لقصد إفادة أذى متكرّر ، والتّكرير كناية عن الشّدّة . وعندنا أنّه ليس تكريرا بل دواما ، وهو مستفاد من
كانَ يُؤْذِي .
د - التّفريع في
فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ
تفريع على مقدّر دلّت عليه القصّة ، والتّقدير : فيهمّ بإخراجكم فيستحيي منكم ؛ إذ ليس الاستحياء مفرّعا على الإيذاء ، ولا هو من لوازمه . ه - ( منكم ) متعلّقة ب ( يستحيى ) على تقدير مضاف ، أي يستحيي من إعلامكم بأنّه يؤذيه . ولا ضرورة في هذا التّقدير كما اعترف هو به تلوا . و - وقد اعترف بأنّ تعدية المشتقّات من مادّة ( الحياء ) إلى الذّوات شائع يساوي الحقيقة ، لأنّ الاستحياء يختلف باختلاف الذّوات ، ففي « أردت أن أفعل كذا فاستحييت من فلان » يجوز التّعليق بذات فلان حقيقة ، أو يجوز التّعليق بالأحوال الملابسة . وعلى الأوّل ( من ) للتّعليل ، وعلى الثّاني للابتداء ، وفي « الكشّاف » مجاز أو توسّع ، وفي « الكشف » بالعكس . وعندنا - كما اعترف به - أن كليهما حقيقة . ز - جاء ( يستحيى ) مضارعا مفرّعا على
يُؤْذِي النَّبِيَّ ،
ليدلّ على ما دلّ عليه المفرّع عليه ، وجاء
وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي
جملة اسميّة ، ولم يقل : ( ولا يستحيى اللّه من الحقّ ) للدّلالة على أنّ هذا الوصف ثابت دائم للّه ، لأنّ الحقّ من صفاته ، فانتفاء ما يمنع تبليغه هو أيضا من صفاته ، لأنّ كلّ صفة يجب اتّصاف اللّه بها ، فإنّ ضدّها يستحيل عليه . ح - ( من ) في
مِنَ الْحَقِّ
ليست مثل ( من ) في
فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ،
فالأولى للتّعليل ، لأنّ الحقّ لا يستحيى منه . ولا فرق بينهما عندنا ، لأنّ في كلّ منهما تقدير عند القوم ، أي لا يستحيى من بيان الحقّ وإعلامه ، ويستحيي من إخراجكم . وعندنا أنّ التّقدير في الأوّل لازم دون الثّاني ، وهذا هو الفارق بينهما . ط - التّعريف في ( الحقّ ) للجنس ، والمراد منه الاستغراق مثل ( الحمد للّه ) . هذه نكات أدبيّة ولغويّة ، أمّا التّشريعيّة فأمران : الأوّل : أنّ سكوت النّبيّ عليه السّلام على الفعل الواقع بحضرته - إذا كان تعدّيا على حقّ لذاته - لا يدلّ على جوازه ، لأنّ له أن يسامح في حقّه ، ولكن يؤخذ الحظر أو الإباحة في مثله من أدلّة أخرى ، كما دلّ على حرمة إيذاء النّبيّ الكتاب والسّنّة ، وأجمعوا على تغرير من آذاه .