الثّاني : دلّت الآية على أنّ من واجبات دين اللّه على الأمّة أن لا يستحيي أحد من الحقّ الإسلاميّ في إقامته وفي معرفته وفي إبلاغه وتعليمه ، سوى الحقوق الخاصّة الّتي يرغب أصحابها في إسقاطها أو التّسامح فيها .
المحور الثّالث : التّحيّة في 7 آيات ( 160 - 166 ) وهي قسمان : ثلاث منها في أدب التّحيّة في الإسلام ، وأربع في التّحيّة بين أهل الجنّة . وقد سبق أنّ ( التّحيّة ) مأخوذة من قولهم : « حيّاك اللّه » فقد أخذ فيها معنى الحياة .
الآية الأولى من القسم الأوّل : جاءت في تحيّة المنافقين النّبيّ عليه السّلام خلاف تحيّة اللّه إيّاه ، وقبلها وبعدها وصدرها تتحدّث عن النّجوى وإدانة المنافقين بها :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ،
وفيها بحوث :
1 - سياق الآيات يحدّثنا أنّ التّركيز فيها على النّجوى ، وأنّ إدانتهم بأنّهم حيّوه بما لم يحيّه به اللّه ، جاءت في خلال النّجوى المنهيّ عنه ، كأنّه قال : نجواهم في غيابك معصية ، وتحيّتهم إذا حضروك معصية أيضا .
2 - لم يحك اللّه لنا كيف كانت تحيّتهم إلّا بأنّها كانت خلاف ما يحيّيه به اللّه . وقد جاء في التّفسير المأثور أنّهم كانوا يقولون له : « السّام عليك » بدل « السّلام عليك » وكان يردّ عليهم : « وعليكم » ، فلاحظ . نعم
إِذا جاؤُكَ
دلّت على أنّها كانت تحيّة القدوم والحضور .
3 - وأيضا لم يحك لنا كيف كان اللّه يحيّي النّبيّ عليه السّلام ، وإنّما دلّت صيغة المضارع :
لَمْ يُحَيِّكَ
على دوام تحيّة اللّه إيّاه في الماضي ، بما كان ينبغي للمؤمنين أن يتعلّموه ، فيحيّوه بمثله ، ولكنّهم تخلّفوا عنه إلى غيره .
4 - ذكر الزّمخشريّ - وتبعه آخرون - تحيّة اللّه النّبيّ :
وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى
النّمل : 59 ، و
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ *
المائدة : 41 و 67 ، و
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ
الأنفال : 64 . والأولى - كما قال - تحيّة ، أمّا الأخيرتان فليستا تحيّة بل خطابا محترما .
وقال ابن عاشور : « إنّ اللّه حيّاه بالسّلام بخصوصه في
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
الأحزاب : 56 ، وحيّاه به في عموم الأنبياء في
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى
النّمل : 59 ، وتحيّة اللّه هي التّحيّة الكاملة » .
ونقول : لو دلّت
بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ
أنّها - كما سبق - دلّت على تعليم اللّه المؤمنين كيف يحيّوا النّبيّ عليه السّلام ، فآية الأحزاب
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
كانت تعليما لهم .
5 - ذكر أكثرهم أنّها نزلت بشأن اليهود الّذين قالوا هذا للنّبيّ عليه السّلام ، وهذا لا يوافق سياق الآيات - وهي خطاب للمؤمنين - بأنّها إدانة لمن ارتكب من المسلمين معصية اللّه في النّجوى والتّحيّة ، وكانوا هم المنافقين دون اليهود . وقد نبّه عليه ابن عاشور ؛ إذ أنكر كونها بشأن اليهود ، وأكّد أنّها في أحوال المنافقين .
فقال : « وما ذكر أوّل هذه الآية لا يليق حمله على أحوال اليهود . . . ولو حمل ضمير « جاؤوك » على اليهود