مقابل
أَوْ رُدُّوها ؟
6 - قال القشيريّ : « تعليم لهم حسن العشرة وآداب الصّحبة ، وأنّ من حمّلك فضلا صار ذلك في ذمّتك له قرضا ، فإمّا زدت على فعله ، وإلّا لا تنقص عن مثله » .
7 - قال الفخر الرّازيّ : « اعلم أنّ عادة العرب قبل الإسلام أنّه إذا لقي بعضهم بعضا ، قالوا : « حيّاك اللّه » . . .
فلمّا جاء الإسلام أبدل ذلك بالسّلام ، فجعلوا « التّحيّة » اسما للسّلام ، قال تعالى :
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ
الأحزاب : 44 ، ومنه قول المصلّي : ( التّحيّات للّه ) ، أي السّلام من الآفات للّه » ، ثمّ استشهد بالشّعر ، وذكر وجوها في أنّ السّلام أتمّ وأكمل من « حيّاك اللّه » ، وأنّ القرآن والأحاديث والمعقول قد دلّت على فضيلة السّلام ، وأنّ اللّه تعالى سلّم على المؤمن في اثني عشر موضعا في القرآن ، وأنّه سمّى نفسه ( السّلام ) في :
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ
الحشر : 23 ، وقد ذكر في المسألة السّابعة عشرة أنّ أحكام الجواب ثمانية ، إلى غير ذلك من الفوائد .
وكذلك في كلام رشيد رضا ، والطّباطبائيّ ، وغيرهما فوائد كثيرة ، منها الفرق بين تحيّة الإسلام وتحيّات سائر الأمم - عند الطّباطبائيّ - بأنّها كانت مشيرة إلى نوع من الخضوع والهوان والتّذلّل ، وتكشف عن رسم الاستعباد الّذي لم يزل رائجا بين الأمم في الأعصار الهمجيّة - وإن اختلفت ألوانها - وكانت تبدأ من المطيع وتنتهي إلى المطاع ، ومن الدّاني الوضيع إلى العاليّ الشّريف ، فجاء الإسلام - وكان أكبر همّه إمحاء الوثنيّة - فاتّخذ سنّة مقابلة لسنّة الوثنيّة ، ورسم الاستعباد ، وهي طريقة سويّة ، بإلقاء السّلام الّذي هو بنحو أمن المسلّم عليه من التّعدّي عليه ، ودحض حرّيّته الفطريّة الإنسانيّة الموهوبة له ؛ إذ الأمن أوّل ما يحتاج إليه التّعاون بين الأفراد في المجتمع ، وهذا هو السّلام الّذي سنّ اللّه تعالى . ثمّ ذكر آيات السّلام ، فلاحظ كلامه ، وكلام غيره . ولاحظ « س ل م :
السّلام » .
الثّالثة :
فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ،
وفيها بحوث أيضا :
1 - هذه ذيل آية طويلة بشأن الأكل من بيوت الأقرباء ، وقد بحثنا حولها في « ب ي ت : بيوت » ، ولا تتحدّث - كما قبلها - عن الأكل ، وإنّما تتحدّث عن أدب الدّخول تفريعا على ما قبلها ب « فائين » تأكيدا وتعجيلا :
فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ .
والأدب الّذي أمر برعايته أن يسلّموا - لدى الدّخول - على أنفسهم تسليما هو بمثابة تحيّة من عند اللّه مباركة طيّبة .
ثمّ أكّد في آخرها هذا الأدب مع ما قبله من أحكام الأكل من البيوت والدّخول فيها ، بقوله :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ،
وفيه أطوار من التّأكيد والاهتمام بها ، كما لا يخفى .
2 - قالوا في
فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ :
أنّه جعل أنفس المسلمين كالنّفس الواحدة مثل :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
النّساء : 29 ، وأريد بها السّلام على من كان فيها من أهلها . وجاء كذلك دلالة على أنّ بعضهم من بعض ، فالجميع إنسان خلقهم من ذكر وأنثى ، وأن يسلّم الدّاخل على أهل البيت ويردّوا السّلام عليه . وهو