والبركة وسكن البيوت ومودّات القلوب ، وفيها الفرح بالعمل الصّالح ، وآثاره في الضّمير ، وآثاره في الحياة . . .
وليس المال إلّا عنصرا واحدا يكفي منه القليل ، حين يتّصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند اللّه » .
6 - أمّا الطّباطبائيّ فتقديره للحياة الطّيّبة مبنيّ أوّلا :
على أنّها حياة جديدة خاصّة بالمؤمن الّذي يعمل الصّالحات ، غير ما يشاركه النّاس من الحياة العامّة ، وليس تغيير صفة الحياة ، وتبديل الحياة الخبيثة بالحياة الطّيّبة ، ولو كان كذلك لما قال :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ،
بل قال : « فلنطيّبنّ حياته » فهي نظير ( 38 )
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ،
وتفيد ما يفيده من تكوين حياة جديدة .
وثانيا : أنّها ليست حياة مجازيّة - كما اخترنا - بل حقيقيّة ، لأنّ آثارها الحياة الحقيقيّة في :
وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ،
وفي مثل :
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
المجادلة : 22 . وأيضا له من العلم والإدراك ما ليس لغيره ، وكذلك له موهبة القدرة على إحياء الحقّ وإماتة الباطل ما ليس لغيره .
[ واستشهد له بآيات وأضاف : ]
وهذا العلم والقدرة الحديثان يمهّدان له أن يرى الأشياء كما هي ، فيقسمها إلى حقّ وباطل ، فيعرض عن الباطل الّذي هو الفاني ، أي الحياة الدّنيا ، ويعتزّ بعزّة اللّه ، فلا يستذلّه الشّيطان بوساوسه ، ولا النّفس بأهوائها ، ولا الدّنيا بزخارفها ، لما يشاهده من أمتعتها ، ويتعلّق قلبه بربّه ، فلا يريد إلّا وجهه ، ولا يحبّ إلّا قربه ، ولا يخاف إلّا سخطه ، فيرى لنفسه حياة طاهرة خالدة ، لا يدبّر أمرها إلّا ربّه الغفور . فيجد في قلبه من البهاء والكمال والقوّة ما لا يقدّر بقدر . هذا ما ينطق به آيات كثيرة تحكي عن حياة جديدة حقيقيّة غير مجازيّة » .
ثمّ حمل تفسيرها بالقناعة في الرّوايات على أنّها أحد مصاديقها . وتفسيرها بالرّضا بقسم اللّه قريبا بما ذكره ، فلاحظ .
7 - وأمّا مغنيّة وفضل اللّه فقد رجّحا أنّ الحياة الطّيّبة هي الحياة في الجنّة ، فمغنيّة استغرب خلافهم فيها ، واستشهد بآيات تذمّ الحياة الدّنيا مثل :
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ
[ إلى أن قال : ]
ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
الزّخرف : 33 - 35 .
وأيّده بأنّ
لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ
في الآية عطف على
فَلَنُحْيِيَنَّهُ ،
وتأكيد له مثل :
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ
النّحل : 105 .
وأمّا فضل اللّه فحكى كلام سيّد قطب والطّباطبائيّ في حمل الآية على حياة الأولياء في الدّنيا ، وقال : « إنّها تفسير جميل وتحليل جيّد للمعاني الرّوحيّة الّتي يختزنها الإيمان في نفس المؤمن العامل بالصّالحات ، ويثيرها في مشاعره وأجوائه . ولكنّ العامل بالصّالحات ، ويثيرها في مشاعره وأجوائه . ولكنّ المسألة هي التقاء هذا التّحليل مع سياق الآية الّتي وردت لبيان الجزاء الّذي يمنحه اللّه للإنسان الّذي يعمل الصّالحات وهو مؤمن ، ممّا يوحي بأنّ هذه الحياة الّتي يمنحها اللّه له مفصولة عن الواقع الّذي يعيشه الآن ، وليست حالة وجدانيّة أو عمليّة في دائرته » .