واحد أهل . ويقال : الحياة الطّيّبة ما يكون مع المحبوب ، وفي معناه قالوا :
نحن في أكمل السّرور ولكن * ليس إلّا بكم يتمّ السّرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودّي * أنّكم غيّب ونحن حضور
ثمّ ذكر أنّ الحياة الطّيّبة للأولياء أن لا تكون لهم حاجة ، ولا سؤال ، ولا أرب ، ولا مطالبة . وفرق بين من له إرادة فترفع ، وبين من لا إرادة له فلا يريد شيئا .
والأوّلون قائمون بشرط العبوديّة ، والآخرون معتقون بشرط الحرّيّة » .
ونظيره ما روي عن الإمام الصّادق عليه السّلام في الحياة الطّيّبة : « هي المعرفة باللّه ، وصدق المقام بين يدي اللّه » .
ونقول : الأوّلون يعيشون مع النّاس سعيدين ، وهم أصحاب اليمين ، ولهم حاجات من اللّه ومن النّاس .
والآخرون يعيشون مع اللّه ، وهم المقرّبون السّابقون السّابقون ، ولا حاجة لهم إلّا إلى اللّه ، وهي مزيد القرب والوصل ، وهم الّذين اطمئنّوا بذكر اللّه :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
الرّعد : 28 .
نعم أصحاب اليمين قد يحبّون الارتقاء إلى درجة المقرّبين والعيش مع اللّه ، والخلاص من العيش مع النّاس والحاجة إليهم ، فهم المرجوّون لأمر اللّه ، ينتظرون الإذن من اللّه للدّخول في صقع الرّبوبيّة وعالم القرب ، ولهم حاجة واحدة ، وهي إراءة الطّريق من اللّه ، وقلوبهم تنبض لذلك ولسان حالهم :
دلّني أين الطّريق * إلى المعالي يا صديق
ويدعون
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
الفاتحة :
5 ، ويجابون :
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
النّور : 35 .
5 - وفي هذا المجال العرفانيّ جاء في « التّأويلات النّجميّة » في تأويل ( 148 )
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى : *
« أنّ الذّكر إشارة إلى القلب ، والأنثى إلى النّفس .
والعمل الصّالح من النّفس استعمال الشّريعة بتقوى اللّه ، وصدقه على وفق الطّريقة ، تزكية عن صفاتها الذّميمة وأفعالها الطّبيعيّة . والعمل الصّالح من القلب حسن توجّهه إلى اللّه بالكلّيّة ، لطلب اللّه والإعراض عمّا سواه ، تصفية للتّحلية بصفات اللّه ، والتّخلّق بأخلاقه .
ويشير بالحياة الطّيّبة إلى إحياء كلّ واحد من النّفس والقلب بالحياة الطّيّبة على قدر صلاحيّة عمله ، وحسن استعداد في قبولها .
فإحياء النّفس بهذه الحياة : تزكيتها عن الذّمائم ، وتحليتها بأخلاق القلب مطمئنّة بذكر اللّه ، راجعة إلى ربّها راضية مرضيّة . وإحياء القلب بهذه الحياة : التّخلّق بأخلاق اللّه ، والفناء عن أنانيّته بهويّته حيّا بحياته ، طيّبا عن دنس الاثنينيّة ، ولوث الحدوث ، فإن طيّب عن هذه الصّفات ، فلا يقبل إلّا طيّبا » .
وأضاف : « إنّ صلاحيّة أعمال العباد على قدر صدقهم في العاملات ، وحسن استعدادهم في قبول الفيض الإلهيّ ، فيكون طيب حياتهم بإحياء اللّه إيّاهم بحسب ذلك » .
وقد اختار سيّد قطب أيضا قريبا من ذلك فقال : « في الحياة الطّيّبة الاتّصال باللّه والثّقة به ، والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه . وفيها الصّحّة والهدوء والرّضى