الحلال ، ورزق الكفاف ، ورزق يوم بيوم ، وتيسير صالح الأعمال ، وتصفية حياته من الهموم والآفات ، والعيش في الطّاعة ، ونشاط نفوسهم ونيلها ، وقوّة رجائهم ، ونحوها .
وكلّها راجع إلى المعيشة الحسنة في الدّنيا .
واختار الطّبريّ - من بين الأقوال الّتي ذكرها - القناعة في الدّنيا ، مستشهدا بأنّ اللّه أوعد قوما قبلها على معصيتهم إيّاه ، بأنّه أذاقهم السّوء في الدّنيا والعذاب في الآخرة ، فقال :
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ .
فينبغي أن يذكر لمن آمن وعمل صالحا جزاء الدّنيا والآخرة أيضا . لكنّه لم يبيّن ربط القناعة في الدّنيا - الّتي اختارها - بجزاء الدّنيا والآخرة فلاحظ .
وقد أشار الطّوسيّ إلى قول الطّبريّ - من دون أن يسمّيه - مرتضيا به .
واختاره الزّمخشريّ وغيره أيضا موضّحين : أنّ مع القناعة والرّضا بقسمة اللّه يطيب العيش ، وإن كان معسرا ، والفاجر بالعكس ، فإنّه وإن كان موسرا فالحرص لا يدعه أن يتهنّأ بعيشه .
وعن ابن عطيّة : أنّ طيب الحياة للصّالحين بنشاط نفوسهم وقوّة رجائهم . والرّجاء للنّفس أمر ملذّ ، وأنّهم احتقروا الدّنيا فزالت همومها عنهم .
3 - وقد أعلن الفخر الرّازيّ : أنّ عيش المؤمن في الدّنيا أطيب من عيش الكافر بوجوه :
منها : أنّه لمّا عرف أنّ رزقه بيد اللّه وعرفه أنّه كريم لا يفعل إلّا الصّواب كان راضيا كلّ الرّضا ، بخلاف الجاهل فلا يعرف ذلك ، فهو دائما في حزن وشقاء .
ومنها : أنّ المؤمن راض بقضاء اللّه ويقدّر وقوع المصائب ولا يعظّمها فتسهل عليه ، والجاهل غافل عنها فيعظم تأثير المصائب في قلبه .
ونظيره ما حكاه القاسميّ عن البهايميّ : « أنّ المؤمن المعسر يتلذّذ بعمله في الدّنيا فوق تلذّذ صاحب المال والجاه ، ولا يبطل تلذّذه إعساره ؛ إذ يرضيه اللّه بقسمته فيقنعه ، ويقلّ اهتمامه بحفظ المال وتنميته . والكافر لا يتهنّأ عيشه بالمال والجاه ؛ إذ يزداد حرصا وخوف فوات » . ثمّ أطال القاسميّ نفسه الكلام في هذا المجال ، فلاحظ .
ومنها : أنّ قلب المؤمن منشرح بنور معرفة اللّه ، فلا يتّسع للأحزان ، وقلب الجاهل خال عن معرفة اللّه فيصير مملوء من الأحزان .
ومنها : أنّ المؤمن يرى الحياة الجسمانيّة خسيسة ، فلا يعظم فرحه بها وغمّه بفقدانها ، والجاهل لا يعرف سعادة سواها ، فلا جرم يعظم فرحه بها وغمّه بفقدانها .
ومنها : أنّ أمور الدّنيا واجب التّغيّر حتّى عند وصولها ، فلا يقيم المؤمن لها وزنا ، بخلاف الجاهل حيث يطبع قلبه عليها ، ويعانقها معانقة العاشق لمعشوقه ، فيحترق قلبه بزوالها .
4 - كلّ ما ذكر راجع إلى حالات نفسانيّة عالية للمؤمنين . لكنّ العرفاء تجاوزوا عنها إلى القرب باللّه ، فقال القشيريّ : « لا يعرف الحياة الطّيّبة بالنّطق ، وإنّما يعرف بالذّوق . [ ثمّ ذكر بعض تلك الوجوه ، وأضاف : ]
وقوم قالوا : إنّه نسيم القرب . والكلّ صحيح ، ولكلّ