المعنى عن ذهن السّامع ، ونظيره :
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ
- إلى أن قال -
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ
التّوبة : 8 .
6 - قال البروسويّ في وجه التّمثيل : إنّ المؤمن ينتفع بحياته ؛ إذ ظاهره ذكر وباطنه فكر ، دون الكافر إذ ظاهره عاطل وباطنه باطل .
وقال ابن عاشور : « فلمّا كانت الحياة هي مبعث المدارك والمساعي كلّها ، وكان الموت قاطعا للمدارك والمساعي شبّه الإيمان بالحياة في انبعاث خير الدّنيا والآخرة منه ، وفي تلقّي ذلك وفهمه . وشبّه الكفر بالموت في الانقطاع عن الأعمال والمدركات النّافعة كلّها ، وفي عدم تلقّي ما يلقى إلى صاحبه ، فصار المؤمن شبيها بالحيّ مشابهة كاملة ، لمّا خرج من الكفر إلى الإيمان ، فكأنّه بالإيمان نفخت فيه الحياة بعد الموت ، كما أشار إليه في :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
الأنعام : 121 ، وكان الكافر شبيها بالميّت ما دام على كفره .
7 - نبّه ابن عاشور على نكتة لطيفة في الآية : وهي أنّه شبّه في موضعين - الأوّل والأخير - المؤمن والكافر ، واكتفى به عن تشبيه الكفر والإيمان لتلازمهما ، وعكس في موضعين - الثّاني والثّالث - حيث شبّه فيهما الإيمان بالظّلّ والنّور ، والكفر بالحرور والظّلمات ، وذلك لأنّ وجه الشّبه في كلّ من الموضعين أوضح ، فتشبيه المؤمن والكافر بالبصير والأعمى ، وبالأحياء والأموات أظهر من تشبيه الإيمان والكفر بالبصير والأعمى ، وبالحياة والموت ، وبالعكس تشبيه الإيمان بالظّلّ والنّور ، والكفر بالحرور والظّلمات أظهر من تشبيه المؤمن والكافر بمن هو في الحرور والظّلمات .
8 - وقد أكّد تشبيه الكافر فقط - دون المؤمن - بالميّت بقوله في ذيل الآيات :
وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ،
حيث شبّهه بالميّت المقبور الّذي مضى على موته زمن حتّى قبر ، ولا يقدر النّبيّ على هدايته ؛ لأنّه منذر فحسب . أمّا في جانب المؤمن فاكتفى بقوله :
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ
من دون تشبيه .
والفرق بينهما أنّ سوق الآيات في إدانة الكافر ، فالتّأكيد عليه أبلغ .
ج - ومثلها ( 149 ) :
إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ .
و ( 149 ) ، و ( 151 ) ،
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ،
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا ،
فإنّ المراد بالحياة فيها جميعا الإيمان ، وبالهلاك في ( 150 ) الكفر .
د - وقد سبق أنّ بعضهم عمّم الحياة والموت في بعض الآيات مثل :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، *
وأوّلها بالكفر والإيمان والهداية والضّلالة ، وليس بعيدا .
ه - الحياة الطّيّبة ( 148 ) :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً . . .
وفيها بحوث :
1 - هل هي في الدّنيا ، أو في القبر ، أو في الآخرة ، واختار أكثرهم الأوّل لقوله بعدها :
لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ ،
فهي جزاء الآخرة ، والأولى جزاء الدّنيا ، فجمع لهم جزاء الدّنيا والآخرة . ونظيرها :
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ
آل عمران : 148 .
2 - ثمّ اختلفوا في تفسيرها بالقناعة ، والرّضا ، والسّعادة ، والعيشة الطّيّبة ، والرّزق الحسن ، والرّزق