أعمى - كأنّه أراد أنّ إحدى عينيه بصير والأخرى أعمى - فلا منافاة بينهما إلّا من حيث الوصف ، والمنافاة في غيرهما ذاتيّة - وقد شرحها - .
وعندنا أنّ الوجه هو ذكر ( الأعمى والبصير ) في الأوّل والباقي عطف عليها ، وتكرار النّفي غالبا في المعطوف دون المعطوف عليه .
الثّالثة : « قدّم الأشرف في مثلين وهما ( الظّلّ والأحياء ) ، وأخّره في مثلين وهما ( البصير والنّور ) ، فقال المفسّرون : « إنّه لتواخي أواخر الآي ، وهو ضعيف ، لأنّ تواخي الأواخر راجع إلى السّجع ، ومعجزة القرآن في المعنى لا في مجرّد اللّفظ » .
والأوّل هو الوجه عندنا ، لأنّ رويّ السّورة الرّاء ، وجاء في خلالها ( الباء ، والميم ، والنّون ، والرّاء ) فلاحظ ، ولأنّ الإعجاز البلاغيّ للقرآن الكريم له علاقة باللّفظ والمعنى معا ، فلاحظ وجوه الإعجاز القرآنيّ . وهذا الكلام من المحقّق الرّازيّ عجيب .
الرّابعة : قابل الأعمى بالبصير ، والظّلّ بالحرور مفردا فيهما ، وقابل الظّلمات جمعا بالنّور مفردا ، والأحياء بالأموات جمعا فيهما ، لأنّه قابل الجنس بالجنس في الأوّلين ولم يذكر الأفراد ، لأنّ في الجنسين من المثالين قد يوجد فرد يساوي فردا من الجنس الآخر كالبصير الغريب في مكان ، والأعمى من أهله ، وقد يصل الأعمى إلى مقصد ، ولا يصل البصير إليه ، ولأنّ الأعمى عنده من الذّكاء ما يساوي به البليد البصير ، فالتّفاوت بينهما في الجنس لا في الأفراد .
وأمّا ( الأحياء والأموات ) فالتّفاوت بينهما أكثر ؛ إذ لا يساوي ميّت في الإدراك حيّا أبدا . سواء قابلت الجنس بالجنس أو الفرد بالفرد .
وأمّا الظّلمات والنّور فالحقّ واحد وهو التّوحيد ، والباطل كثير وهو طرق الإشراك ، ففي الظّلمات كلّها لا تجد فيها ما يساوي النّور . ثمّ حوّل ذلك إلى قوله :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
الأنعام : 1 ، لاحظ : « ظ ل م ون ور » .
وعندنا أنّ ما ذكره - متباهيا بهداية اللّه إيّاه - وإن كان دقيقا ولطيفا إلّا أنّ فيه تكلّفا . والظّاهر أنّ ذلك كلّه من التّفنّن في بيان المراد عند البلغاء ، وله نظائر في القرآن الكريم .
وعند أبي السّعود : أوثر الجمع فيها تحقيقا للتّباين بين أفراد الفريقين . وعند ابن عاشور : هذا تفنّن في الكلام بعد إفراد ما قبلهما ، لأنّ المفرد والجمع سواء في المعرّف بلام الجنس .
5 - وجه إظهار الفعل في
وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
- بعد ما كان مقدّرا في جملتين قبلها عند الفخر الرّازيّ - كما سبق - التّأكيد على أنّ حال المؤمن والكافر فوق حال البصير والأعمى وما بعدهما .
وعند ابن عاشور ، لأنّ التّمثيل فيها عاد إلى تشبيه حال المسلمين والكافرين - وهو المراد بهذه الأمثلة - فهذا ارتقاء في تشبيه المؤمن بالبصير ، والكافر بالأعمى إلى تشبيه المؤمن بالحيّ ، والكافر بالميّت . ونظيره :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ
الرّعد : 16 .
وعند الطّباطبائيّ : كرّر الفعل لطول الفصل لئلّا يغيب