بواسطة ، والبعض بغير واسطة ، ولهذا قيل : إنّه تعالى خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء ، وخلق الجنّ من نار خلقها من الماء ، وخلق آدم من تراب خلقه من الماء .
والأوّل - أي الحمل على الغالب - هو الجواب عندنا .
3 - استدلّ اللّه بإحياء الأرض بعد موتها لإحياء الموتى في كثير من تلك الآيات . ولعلّها دلّت على أنّ إطلاق الحياة على النّبات حقيقة ، وليست مجازا .
الصّنف الثّاني : من المجاز حياة المؤمن بالإيمان قبال موت الكافر بالكفر ، وقد يعبّر عنه بحياة القلب وموته ، وقد جاءت فيها آيات :
أ - ( 150 )
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ،
وفيها بحوث :
1 - وقد فسّروها بما يرجع إلى معنى واحد : من كان حيّ القلب حيّ البصر ، من كان مهتديا ، من كان مؤمنا ، يعقل ما يقال له ويفهم ما يبيّن له ، غير ميّت الفؤاد ، من كان يعقل ما يخاطب به ، فإنّ الكافر كالميّت في أنّه لم يتدبّر ، فيعلم أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به حقّ ، عاقلا متأمّلا ؛ لأنّ الغافل كالميّت ، أو معلوما منه أنّه يؤمن فيحيا بالإيمان ، حيّ القلب والبصيرة ولم يكن ميّتا لكفره ، وهذه استعارة .
من كان مؤمنا ، لأنّ الكافر كالميّت ، بل أقلّ من الميّت ، لأنّ الميّت وإن كان لا ينتفع ولا يتضرّر ، والكافر لا ينتفع بدينه ويتضرّر به ، عاقلا فهما يميّز المصلحة من المفسدة ، ويستخدم قلبه فيما خلق له ، ولا يضيّعه فيما لا يغيبه ، فإنّ الغافل بمنزلة الميّت .
وجعل العقل والفهم للقلب بمنزلة الحياة للبدن ؛ من حيث إنّ منافع القلب منوطة بالعقل ، كما أنّ منافع البدن منوطة بالحياة .
من أحيا عقله بالتّدبّر والتّأمّل ، وتفتّح قلبه للحقّ والخير . ونحوها فلاحظ النّصوص .
2 - ولا ريب أنّها مجاز فهل هي استعارة أو كناية ، أو غيرهما ؟ قال الشّريف الرّضيّ : « وهذه استعارة ، والمراد بالحيّ هاهنا الغافل الّذي يستيقظ إذا أوقظ ، ويتّعظ إذا أوعظ ، فسمّى سبحانه المؤمن الّذي ينتفع بالإنذار « حيّا » لنجاته ، وسمّى الكافر الّذي لا يصغي إلى الزّواجر « ميّتا » لهلكه .
وقال الآلوسيّ : « فيه استعارة مصرّحة بتشبيه العقل بالحياة ، أو مؤمنا بقرينة مقابلته بالكافرين . وفيه أيضا استعارة مصرّحة لتشبيه الإيمان بالحياة ، ويجوز كونه مجازا مرسلا ، لأنّه سبب للحياة الحقيقيّة الأبديّة » .
وقال ابن عاشور : « والحيّ مستعار لكامل العقل وصائب الإدراك ، وهذا تشبيه بليغ ، أي من كان مثل الحيّ في الفهم » .
وقال الطّباطبائيّ : « هو كناية عن كونه يعقل الحقّ ويسمعه » .
فمن جعلها استعارة اعتبر فيها التّشبيه ، ومن جعلها كناية اعتبر فيها الملازمة ، أو أراد مطلق المجاز . ولا ريب في اعتبار التّشبيه في إطلاق الحيّ على المؤمن ، والميّت على الكافر والمجرم ، وكذا إطلاقهما على العالم والجاهل .
3 - احتمل الفخر الرّازيّ فيها وجهين : من كان حيّا في علم اللّه فينذره به فيؤمن ، أو من كان حيّا في نفس الأمر أي من آمن . . .