جنسه فإنّه يسمّى حيّا ، فمثّل له بإحياء الموات في الآيات وغيرها ، وأنّه إنّما سمّي الجسم حيّا لأنّه كماله - وذكر له أمثلة - ثمّ قال : فثبت أنّ المفهوم الأصليّ من لفظ الحيّ كونه واقعا على أكمل أحواله وصفاته . . . ولمّا لم يكن مقيّدا بأنّه كامل في هذا دون ذاك ، دلّ على أنّه كامل على الإطلاق ، والكامل على الإطلاق أن لا يكون قابلا للعدم لا في ذاته ولا صفاته . . . » .
وعندنا أنّ الإشكال مرفوع من أصله ، لأنّ الحيّ في الآيات قيّد ب ( القيّوم ) وب
الَّذِي لا يَمُوتُ .
كما قال البيضاويّ : « والحيّ في صفة اللّه تعالى وهو الّذي لم يزل موجودا ، أو بالحياة موصوفا ، لم تحدث له الحياة بعد موت ، ولا يعتريه الموت بعد حياة ، وسائر الأحياء يعتريهم الموت والعدم ، فكلّ شيء هالك إلّا وجهه سبحانه وتعالى » .
وقد أجاب صدر المتألّهين عن هذا الإشكال بالتزام التّشكيك في مفهوم « الإدراك » ، و « القدرة » بالكمال والنّقص ، وأنّ الحيّ في كلّ شيء بحسبه . إلى أن قال :
« فمعنى الحيّ وإن كان مفهوما عامّا إلّا أنّه ينصرف في الحيوان إلى الحسّاس ، وفي الواجب إلى ما يكون عالما بالفعل بجميع الأشياء ، قادرا بالذّات على كلّ الموجودات . . . » ثمّ ردّ على الفخر الرّازيّ بما ذكره . وعندنا أنّ كلّ ذلك تكلّف خارج عن معنى الحيّ داخل في مفهوم ( القيّوم ) ، و
الَّذِي لا يَمُوتُ .
5 - حكى رشيد رضا عن أستاذه عبده : أنّ المتكلّمين استدلّوا على حياة اللّه بالعقل من وجهين :
أحدهما : أنّه عليم مريد قدير ، وهذه صفات لا تعقل إلّا للحيّ . وفيه أنّه من قياس الغائب على الشّاهد - كما يقولون - أو من قياس الواجب على الممكن .
وثانيهما : أنّ الحياة كمال وجوديّ ، وكلّ كمال لا يستلزم نقصا يستحيل على الواجب فهو واجب له . ثمّ نقل عنه ما قدّم له في رسالة التّوحيد من ذكر مراتب الوجود ، وأنّ وجود الواجب أعلى مراتبه فيستتبع جميع صفات الكمال ، إلى آخر ما قاله رشيد رضا في وصف هذا الكلام . ثمّ ذكر ما ألّفه هو في باب العقائد على سبيل المكالمة بين تلميذ وشيخه في إثبات حياة اللّه . ولسيّد قطب أيضا كلام لطيف في حياة اللّه ، فلاحظ .
أمّا الطّباطبائيّ فقال : « وإنّ اسم الحيّ فمعناه ذو الحياة الثّابتة على وزان سائر الصّفات المشبّهة في دلالتها على الدّوام والثّبات . ثمّ أطال الكلام في أقسام الموجودات من الجماد والحيوان ، وذكر أقسام الحياة في القرآن ، وأنّ كلّها يعتريه الموت ، وأمّا الحياة الأخرويّة فلا يعتريها الموت ، فهي الحياة الحقيقيّة ، واستنتج أنّ الحياة الحقيقيّة يجب أن تكون بحيث يستحيل طروّ الموت عليها لذاتها ، ولا يتصوّر ذلك إلّا بكون الحياة عين ذات الحيّ ، غير عارضة ولا طارئة عليها بتمليك الغير وإفاضته ، كما قال في ( 69 ) :
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ،
فالحياة الحقيقيّة هي الحياة الواجبة . والقصر في ( 70 ) :
هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ،
قصر حقيقيّ غير إضافيّ . . . فلاحظ .
ويظهر من جميع ذلك أنّ إطلاق الحيّ على اللّه حقيقيّ ، لأنّ حياته هي الحياة حقّا . وعندنا أنّه إذا وضع ( الحيّ ) لغة لذي الحياة من الحيوان والإنسان ، فإطلاقه على اللّه مجاز لغة ، وكلّ ما ذكروه في حياته تعالى حقّ ،