السّاعة ، ثمّ يحييهم اللّه في الجنّة . لا خلاف بين أهل العلم فيه إلّا قولا شاذّا من بعض المتأخّرين » - وهو أنّهم سيحيون وليسوا أحياء الآن ، ونسبه إلى ما حكاه البلخيّ ، ثمّ قال : « واستدلّ أبو عليّ الجبّائيّ على أنّهم أحياء في الحقيقة ب
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ،
ولو كانوا سيحيون في الآخرة لم يقل للمؤمنين المقرّين بالبعث والنّشور :
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ،
لأنّهم يعلمون ذلك ، ويشعرون به » . ثمّ ذكر في وجه اختصاص الشّهداء بذلك - مع أنّ المؤمنين كلّهم أحياء في البرزخ - أنّه يجوز أن يكون تشريفا لهم . وقد يكون على جهة التّقديم للبشارة بذكر حالهم في البيان ، لما يختصّون به من أنّهم يرزقون ، كما قال :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ .
وقد اعترف الزّمخشريّ بما قاله المفسّرون وأضاف :
« قالوا : يجوز أن يجمع اللّه من أجزاء الشّهيد جملة فيحييها ، ويوصل إليها النّعم ، وإن كانت في حجم الذّرّة » .
وهذا في غاية البعد ؛ إذ لم يأت في الآيتين أنّهم أحياء بحياة جسميّة ، لكي نكلّف أنفسنا بمثل هذه الكلفة .
وظاهر جملة من الرّوايات والأقوال : أنّ أرواحهم في حواصل طيور خضر ، يطيرون في الجنّة حيث شاءوا .
وقد بحث الفخر الرّازيّ وغيره ممّن تأخّروا عنه حول حياة الشّهداء تفصيلا ، مردّدين بين أنّها حياة حقيقيّة أو مجازيّة ، وأكثرهم اختاروا أنّها حياة حقيقيّة فعليّة ، ونسبه الفخر الرّازيّ إلى جميع المفسّرين .
ومن أبدع ذلك ما اختاره رشيد رضا وقال : « إنّها حياة غيبيّة لا نبحث عن حقيقتها ، ولا نزيد فيها على ما جاء به خبر الوحي شيئا » . ولعلّه أقرب إلى الآية
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ .
وأمّا الطّباطبائيّ فاختار أيضا أنّها حياة حقيقيّة دون التّقديريّة ، وشرحها وأبطل الأقوال الأخرى ، وقال : « ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل اللّه أموات ، ولا تعتقدوا فيهم الفناء والبطلان - كما يفيده لفظ « الموت » عندكم ومقابلته مع الحياة ، وكما يفيده لفظ « الموت » عندكم ومقابلته مع الحياة ، وكما يعين على هذا القول حواسّكم - فليسوا بأموات بمعنى البطلان ، بل أحياء ولكن حواسّكم لا تنال ذلك ولا تشعر به . وإلقاء هذا القول على المؤمنين - مع أنّهم جميعا أو أكثرهم عالمون ببقاء حياة الإنسان بعد الموت . وعدم بطلان ذاته - إنّما هو لإيقاظهم وتنبيههم بما هو معلوم عندهم ، يرتفع بالالتفات إليه الحرج عن صدورهم ، والاضطراب والغلق عن قلوبهم ، إذا أصابتهم مصيبة القتل ، فإنّه لا يبقى مع ذلك من آثار القتل عند أولياء القتيل إلّا مفارقة في أيّام قلائل في الدّنيا ، وهو هيّن في قبال مرضاة اللّه سبحانه ، وما ناله القتيل من الحياة الطّيّبة والنّعمة المقيمة ، ورضوان من اللّه أكبر . . . » . ثمّ ذكر أنّ هاتين الآيتين من أدلّة الحياة البرزخيّة ، وسنبحثها .
هذه كلّها مبنيّة على القول بالحياة الحقيقيّة لمن قتل في سبيل اللّه ، أمّا الحياة المجازيّة فذكروا فيها وجوها :
1 - إنّ الشّهيد لمّا كان عظيم المنزلة عند اللّه صحّ أن يقال : إنّه حيّ ، كما يقال للجاهل : إنّه ميّت .
2 - إنّ الشّهيد ترك لنفسه ثناء جميلا حسنا ، فهو حيّ عند النّاس . وقد رفضه الطّباطبائيّ رفضا باتّا بأنّه أمر خياليّ ، فلاحظ . مع أنّ الآية تدلّ على أنّهم أحياء عند اللّه لا عند النّاس .