1 - الآية الأولى لا مساس لها بما قبلها وما بعدها من الآيات ، سوى أنّ الصّبر على البلايا ومنها القتل في سبيل اللّه فيه تسلية لمن ابتلي بها ، وتحضير لمن سيبتلى بها فيما بعد . قال الفخر الرّازيّ : « وجه تعلّق الآية بما قبلها ، كأنّه قيل : استعينوا بالصّبر والصّلاة في إقامة ديني ، فإن احتججتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوّي بأموالكم وأبدانكم ذلك فتلفت نفوسكم ، فلا تحسبوا أنّكم ضيّعتم أنفسكم ، بل اعلموا أنّ قتلاكم أحياء عندي » .
أمّا الآية الثّانية فلها مساس مباشر بما قبلها ، فهي جواب لمن قعد عن القتال ، وقال فيمن قتل استرحاما له وأسفا منه :
لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا ،
فيبدو أنّهم كانوا يوصون هؤلاء الّذين قتلوا بأن لا يشاركوا في القتال ، ولكنّهم لم يسمعوا إليهم ، وشاركوا في القتال ، وجاهدوا فيه حتّى قتلوا في سبيل اللّه .
كما أنّ ما بعدها تتمّة لجزاء الّذين قتلوا في سبيل اللّه ، فتصفهم بأوصاف إضافة إلى ما ذكره في الآية من أنّهم أحياء يرزقون عند ربّهم .
2 - الأولى جاءت في البقرة الّتي نزلت قبل آل عمران ، بل إنّها - على المشهور - أوّل ما نزلت من السّور بالمدينة ، ونزلت بعدها مباشرة سورة الأنفال النّازلة بعد غزوة بدر ، أولى غزوات النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله .
وحينئذ يطرح هذا السّؤال نفسه : المقتول في سبيل اللّه في هذه الآية متى وأين قتل ؟ وهل كانت هناك معركة بين المؤمنين وأعدائهم قبل غزوة بدر ؟
وليس لدينا جواب قاطع إلّا أن يقال : نزلت فيمن قتل منهم قبل بدر لا في معركة ، أو نزلت بعد نزول البقرة فيمن قتل في بعض المعارك ، وألحقت بالبقرة ، فإنّ البقرة - كما تشهد به آياتها - لم تنزل دفعة ، بل نزلت تدريجا حسب المناسبات في المدينة ، وعدّت أوّل السّور المدنيّة اعتبارا بأوّلها وأكثرها .
ويشهد بنزولها في بعض المعارك ما عن الماورديّ : « وسبب ذلك أنّهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأحد : مات فلان ، ومات فلان ، فنزلت الآية » ، وما عن الطّوسيّ :
« يقال : إنّ المشركين كانوا يقولون : إنّ أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وآله يقتلون نفوسهم في الحرب لا لمعنى ! ! فأنزل اللّه تعالى الآية » ، ونحوه عن أبي حيّان وغيره . وقال البروسويّ : « إنّها نزلت في شهداء بدر ، وكانوا أربعة عشر رجلا : ستّة من المهاجرين ، وثمانية من الأنصار ، وكان النّاس يقولون لمن يقتل : مات فلان ، وذهب عنه نعيم الدّنيا ولذّاتها » . ويلزم على قولهم نزول هذه الآية أيضا مثل آية آل عمران بعد غزوتى بدر وأحد ! !
وأمّا الآية الثّانية فجاءت في آل عمران : 121 ، النّازلة بعد غزوة أحد ، وجملة منها - ابتداء من :
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ
- نزلت بشأن هذه الغزوة ، وفيها إشارات إلى غزوة بدر الّتي نصر اللّه المؤمنين فيها بالملائكة . فالثّانية نزلت بعد الأولى - على الأقوى - في غزوة أحد .
3 - وبين الآيتين اشتراك وافتراق كما يأتي :
أمّا الاشتراك فابتدائهما بالنّهي ، وذكر القتل في سبيل اللّه ، ومقابلة أمواتا وأحياء ، كلاهما نكرة إضرابا عن الأولى إلى الثّانية .
وأمّا الافتراق فبوجوه :