منها : أنّه قال في الأولى :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ ،
وفي الثّانية :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ،
والخطاب في الأولى إلى المؤمنين ، وفي الثّانية إلى النّبيّ عليه السّلام اهتماما به ، أو إلى كلّ مخاطب للقرآن .
والنّهي في الأولى عن القول ، وفي الثّانية عن الحسبان ، وهذا آكد من القول ، ففيهما تعال من الأدنى إلى الأعلى .
ومنها أنّه قال في الأولى :
بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ،
وفي الثّانية :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ،
فأبهم حياتهم في الأولى بقوله :
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ،
ولم يبيّنها ، أمّا في الثّانية فبيّنها بأوصاف ابتداء ب
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ،
وإدامة بما جاء بعدها في الآيات . فكأنّ اللّه أجمل حياة الشّهداء أوّلا ، ثمّ فصّلها ، وفي التّفصيل اهتمام أكبر من الإجمال ، ففي الإجمال إعظام وإكبار ليس في التّفصيل ، فيهيّئ النّفوس لينتظروا أو يتمنّوا ، بل يشتاقوا ليعرفوا ما هذه الحياة الّتي لا يشعرون بها ، فجاء التّفصيل بأنّهم يرزقون عند ربّهم ، فغيرهم من السّعداء يرزقون في الجنّة ، أمّا هؤلاء فيرزقون عند ربّهم ويجلسون على مائدته ، فهم أصحاب الحضور يعيشون مع اللّه - كما يأتي في وصف الحياة الطّيّبة - والآخرون يعيشون في الجنّة مع أهل الجنّة محرومين عن الحضور ، وشتّان ما بين الحالتين .
ثمّ إنّهم فرحين بهذه النّعمة العظمى ، وهو الجلوس على مائدة اللّه . وهذا ما آتاهم اللّه من فضله . ومع ذلك فهم يتمنّون هذه النّعمة لأصدقائهم في صفّ الجهاد والنّضال ، وفاء بما تعاهدوا عليه من المقاومة طول الحياة ، فيستبشرون بالّذين لم يلحقوا بهم ، ولم يستشهدوا معهم ، بأنّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، إذا استشهدوا ولحقوا بهم .
ومنها : أنّه قال في الأولى :
لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ،
وفي الثّانية :
الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
فيبدو أنّ الفعل جاء في الأولى بصيغة المضارع استقبالا لما سيقع ، والثّانية بصيغة الماضي اهتماما بما وقع ، فهذا آكد من الأولى من هذه النّاحية أيضا .
وفي كليهما تصريح بمن قتل في سبيل اللّه ، ومثلهما كثير من آيات الجهاد ، وأوجها آية الاشتراء :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
( 59 ) .
وهذه الخصال كلّها حاكية عن إخلاصهم في الجهاد واستعدادهم للقتل تقرّبا إلى اللّه تعالى ، وانتقالا من حالة الغيبة إلى الحضور عند الحبيب ومن الحرمان إلى الوصال .
لاحظ س ب ل : « سبيل اللّه » ، وق ت ل : « القتال » .
4 - تكلّموا كثيرا في حقيقة حياة الشّهداء واختلفوا فيها ، فأكثرهم على أنّها حياة حقيقيّة روحيّة ، يعيشون بما وصفهم اللّه به في الآية الثّانية . والفرق بينهم وبين غيرهم من السّعداء في عالم البرزخ - الّذي سنبحثه - عند الطّبريّ أنّهم مرزقون من مآكل الجنّة ومطاعمها في برزخهم قبل بعثهم ، وأمّا غيرهم من السّعداء فيفتح لهم من قبورهم أبواب إلى الجنّة - كما جاء في الأخبار المتظافرة - فيشمّون ريحها ويستعجلون اللّه قيام السّاعة ، لينالوا من نعيمها . ونحوه عن مجاهد والماورديّ .
وقال الطّوسيّ : « الصّحيح أنّهم أحياء إلى أن تقوم