فلماذا لم يأمرهم بالخروج بدلا من خروجه هو ؟
قلت : لأنّ خروجه غير صريح في كراهية جلوسهم ، لأنّه يحتمل أن يكون لغرض آخر ، ويحتمل أن يكون لقصد انفضاض المجلس ، فكان من واجب الألمعيّة أن يخطر ببالهم أحد الاحتمالين فيتحفّزوا للخروج ، فليس خروجه عنهم بمناف لوصف حيائه صلّى اللّه عليه وسلّم .
وجملة :
وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ
معطوفة على جملة :
فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ
والمعنى : أنّ ذلك سوء أدب مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا كان يستحيي منكم فلا يباشركم بالإنكار ، ترجيحا منه للعفو عن حقّه على المؤاخذة به .
فإنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ ، لأنّ أسباب الحياء بين الخلق منتفية عن الخالق سبحانه
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
الأحزاب : 4 .
وصيغت الجملة المعطوفة على بناء الجملة الاسميّة مخالفة للمعطوفة هي عليها ، فلم يقل : ولا يستحيي اللّه من الحقّ ، للدّلالة على أنّ هذا الوصف ثابت دائم للّه تعالى ، لأنّ الحقّ من صفاته ، فانتفاء ما يمنع تبليغه هو أيضا من صفاته ، لأنّ كلّ صفة يجب اتّصاف اللّه بها ، فإنّ ضدّها يستحيل عليه تعالى .
والتّعريف في ( الحقّ ) تعريف الجنس المراد منه الاستغراق مثل التّعريف في
الْحَمْدُ لِلَّهِ
الفاتحة : 2 .
والمعنى : واللّه لا يستحيي من جميع أفراد جنس الحقّ .
و ( الحقّ ) : ضدّ الباطل . فمنه حقّ اللّه وحقّ الإسلام ، وحقّ الأمّة جمعاء في مصالحها وإقامة آدابها ، وحقّ كلّ فرد من أفراد الأمّة فيما هو من منافعه ودفع الضّرّ عنه .
ويشتمل حقّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في بيته وأوقاته ، وبهذا العموم في الحقّ صارت الجملة بمنزلة التّذييل .
و ( من ) في قوله :
مِنَ الْحَقِّ
ليست مثل ( من ) الّتي في قوله :
فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ،
لأنّ ( من ) هذه متعيّنة لكونها للتّعليل ، إذ الحقّ لا يستحيى من ذاته ، فمعنى إنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ ، أنّه لا يستحيي لبيانه وإعلانه .
وقد أفاد قوله :
وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ
أنّ من واجبات دين اللّه على الأمّة أن لا يستحيي أحد من الحقّ الإسلاميّ في إقامته . وفي معرفته إذا حلّ به ما يقتضي معرفته ، وفي إبلاغه وهو تعليمه ، وفي الأخذ به ، إلّا فيما يرجع إلى الحقوق الخاصّة الّتي يرغب أصحابها في إسقاطها ، أو التّسامح فيها ممّا لا يغمص حقّا راجعا إلى غيره ، لأنّ النّاس مأمورون بالتّخلّق بصفات اللّه تعالى اللّائقة بأمثالهم بقدر الإمكان .
وهذا المعنى فهمته أمّ سليم وأقرّها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على فهمها ، فقد جاء في الحديث الصّحيح : « عن أمّ سلمة قالت : جاءت أمّ سليم إلى النّبيّ فقالت : يا رسول اللّه إنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت ؟ فقال رسول اللّه : نعم ، إذا رأت الماء » . فهي لم تستح في السّؤال عن الحقّ المتعلّق بها ، والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يستح في إخبارها بذلك . . . ( 21 : 310 )
مغنيّة : المراد ب ( الحقّ ) الّذي استحيا منه النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله حقّه الشّخصيّ ؛ وهو إخراج الثّقلاء والمتطفّلين من بيته ، سكت النّبيّ عنه حياء منهم ، فنبّه سبحانه إلى أنّ بقاءهم بعد الطّعام يؤذي النّبيّ ، وكذلك دخولهم على بيته من غير إذن . ( 6 : 235 )
الطّباطبائيّ : تعليل للنّهي ، أي لا تمكثوا كذلك ،