تقدير المضاف ممّا ذهب إليه الزّمخشريّ وكثير ؛ وهو الّذي ينبغي أن يعوّل عليه .
وفي « الكشف » : فإن قلت : الاستحياء : من زيد للإخراج مثلا هو الحقيقة ، والاستحياء : من استخراجه توسّع بجعل ما نشأ منه الفعل كالصّلة ، وكلتا العبارتين صحيحة ، يصحّ إيقاع إحداهما موقع الأخرى .
قلت : أريد أنّه لا بدّ من ملاحظة معنى الإخراج ؛ فإمّا أن يقدّر الإخراج ويوقع عليه فيكثر الإضمار ، ولا يطابق اللّفظ نفيا وإثباتا ، وإمّا أن يقدّر المضاف فيقلّ ويطابق .
ومع وجود المرجّح وفقد المانع لا وجه للعدول ، فلا بدّ ممّا ذكر .
وقال العلّامة ابن كمال : إنّ قوله تعالى :
فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ
تعليل لمحذوف دلّ عليه السّياق ، أي ولا يخرجكم فيستحيي منكم ، ولذلك صدّر بأداة التّعليل .
ولو كان المعنى يستحيي من إخراجكم لكان حقّه أن يصدّر بالواو . وفيه أنّ الكلام بعد تسليم ما ذكر على تقدير المضاف .
وزعم بعضهم : أنّ الأصل فيستحيي منكم من الحقّ ، واللّه لا يستحيي منكم من الحقّ ، والمراد ب ( الحقّ ) :
إخراجهم ، على أنّ ذلك من الاحتباك ، وكلا حرفي الجرّ ليس بمعنى واحد ، بل الأوّل للابتداء والثّاني للتّعليل .
وقال : إنّ الحمل على ذلك هو الأنسب للإعجاز التّنزيليّ والاختصار القرآنيّ ، ولا يخفى ما فيه . [ ثمّ نقل القراءات عن الزّمخشريّ وابن عطيّة ثمّ قال : ]
والظّاهر حرمة اللّبث على المدعوّ إلى طعام بعد أن يطعم . إذا كان في ذلك أذى لربّ البيت ، وليس ما ذكر مختصّا بما إذا كان اللّبث في بيت النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ، ومن هنا كان الثّقيل مذموما عند النّاس ، قبيح الفعل عند الأكياس . ( 22 : 71 )
ابن عاشور : وجملة
إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ
استئناف ابتدائيّ للتّحذير ، ودفع الاغترار بسكوت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحسبوه رضى بما فعلوا .
فمناط التّحذير قوله :
ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ،
فإنّ أذى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مقرّر في نفوسهم أنّه عمل مذموم ، لأنّ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أعزّ خلق في نفوس المؤمنين ؛ وذلك يقتضي التّحرّز ممّا يؤذيه أدنى أذى . ومناط دفع الاغترار قوله :
فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ
فإنّ السّكوت قد يظنّه النّاس رضى وإذنا ، وربّما تطرّق إلى أذهان بعضهم أنّ جلوسهم لو كان محظورا لما سكت عليه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأرشدهم اللّه إلى أنّ السّكوت النّاشئ عن سبب هو سكوت لا دلالة له على الرّضى ، وأنّه إنّما سكت حياء من مباشرتهم بالإخراج ، فهو استحياء خاصّ من عمل خاصّ .
وإنّما كان ذلك مؤذيا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنّ فيه ما يحول بينه وبين التّفرّغ لشؤون النّبوّة من تلقّي الوحي أو العبادة ، أو تدبير أمر الأمّة ، أو التّأخّر عن الجلوس في مجلسه لنفع المسلمين ، ولشؤون ذاته وبيته وأهله . واقتران الخبر بحرف ( انّ ) للاهتمام به .
ولك أن تجعله من تنزيل غير المتردّد منزلة المتردّد ، لأنّ حال النّفر الّذين أطالوا الجلوس والحديث في بيت النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ، وعدم شعورهم بكراهيته ذلك منهم حين دخل البيت ، فلمّا وجدهم خرج ، فغفلوا