تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 804

مساهمون:

ص٨٠٤
عمّا في خروج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من البيت من إشارة إلى كراهيته بقاءهم . تلك حالة من يظنّ ذلك مأذونا فيه ، فخوطبوا بهذا الخطاب تشديدا في التّحذير واستفاقة من التّغرير . وإقحام فعل ( كان ) لإفادة تحقيق الخبر . وصيغ
يُؤْذِي
بصيغة المضارع دون اسم الفاعل ، لقصد إفادة أذى متكرّر ، والتّكرير كناية عن الشّدّة . والأذى : ما يكدر مفعوله ويسيء من قول أو فعل . وتقدّم في قوله تعالى :
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً
في آل عمران : 111 ، وهو مراتب متفاوتة في أنواعه . والتّفريع في قوله :
فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ
تفريع على مقدّر دلّت عليه القصّة ، والتّقدير : فيهمّ بإخراجكم فيستحيي منكم ؛ إذ ليس الاستحياء مفرّعا على الإيذاء ، ولا هو من لوازمه . ودخول ( من ) المتعلّقة ب ( يستحيى ) على ضمير المخاطبين ، على تقدير مضاف ، أي يستحيي من إعلامكم بأنّه يؤذيه . وتعدية المشتقّات من مادّة الحياء إلى الذّوات شائع يساوي الحقيقة ، لأنّ الاستحياء يختلف باختلاف الذّوات ، فقولك : أردت أن أفعل كذا فاستحيت من فلان . يجوز أن تكون الحقيقة هي التّعليق بذات فلان ، وأن تكون هي التّعليق بالأحوال الملابسة له الّتي هي سبب الاستحياء ، لأجل ملابستها له . ولك أن تقول : استحييت من أن أفعل كذا بمرأى من فلان . وعلى التّقدير الأوّل تكون ( من ) للتّعليل ، وعلى التّقدير الثّاني تكون ( من ) للابتداء . وظاهر كلام « الكشّاف » يقتضي أنّ : استحييت من فلان مجاز أو توسّع ، وأنّ : استحييت من فعل كذا لأجل فلان هو الحقيقة . وظاهر كلام صاحب « الكشف » عكس ذلك ، والأمر هيّن . وصيغ فعل ( يستحيى ) بصيغة المضارع لأنّه مفرّع على
يُؤْذِي النَّبِيَّ
ليدلّ على ما دلّ عليه المفرّع هو عليه . وفي هذه الآية دليل على أنّ سكوت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على الفعل الواقع بحضرته ، إذا كان تعدّيا على حقّ لذاته ، لا يدلّ سكوته فيه على جواز الفعل ، لأنّ له أن يسامح في حقّه ، ولكن يؤخذ الحظر أو الإباحة في مثله من أدلّة أخرى ، مثل قوله تعالى هنا :
إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ .
ولذلك جزم علماؤنا بأنّ من آذى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالصّراحة أو الالتزام يعزّر على ذلك ، بحسب مرتبة الأذى والقصد إليه بعد توقيفه على الخفيّ منه ، وعدم التّوبة ممّا تقبل في مثله التّوبة منه . ولم يجعلوا في إعراض النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام عن مؤاخذة من آذاه في حياته دليلا على مشروعيّة تسامح الأمّة في ذلك ، لأنّه كان له أن يعفو عن حقّه ، لقوله تعالى :
فَاعْفُ عَنْهُمْ
المائدة : 13 ، وقوله :
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
آل عمران : 159 ، فهذا ملاك الجمع بين الإيذاء والاستحياء والحقّ في هذه الآية ، فقد تولّى اللّه تعالى الذّبّ عن حقّ رسوله وكفاه مؤونة المضض الدّاعي إليه حياؤه . وقد حقّق هذا المعنى ، وما يحفّ به القاضي أبو الفضل عياض ، في تضاعيف القسم الرّابع من كتابه « الشّفاء » . فإن قلت : ورد في الحديث عن أنس أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خرج من البيت ليقوم الثّلاثة الّذين قعدوا يتحدّثون ،