وفي « المناقب » أنّ جارية أهدت إلى الإمام الحسن عليه السّلام باقة من الورد فأعتقها ، وحين سئل عن ذلك استشهد بقوله تعالى :
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها .
وهكذا يتّضح لنا أنّ الآية هي حكم عامّ يشمل الرّدّ على كلّ أنواع مشاعر الودّ والمحبّة ، سواء كانت بالقول أو بالعمل . وتبيّن الآية في آخرها أنّ اللّه يعلم كلّ شيء ، حتّى أنواع التّحيّة والسّلام والرّدّ المناسب لها ، وأنّه لا يخفى عليه شيء أبدا ، حيث تقول :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً .
السّلام ، تحيّة الإسلام الكبرى :
لا يخفى أنّ لكلّ جماعة إنسانيّة تقاليد خاصّة في التّحيّة لدى التّلاقي فيما بينهم ، بها يتبادلون مشاعر الحبّ والصّفاء والمودّة ، والتّحيّة كما هي صيغة لفظيّة يمكن أن تكون - أيضا - حركة عمليّة يستدلّ منها على مشاعر الحبّ والودّ المتبادلة .
وقد جاء الإسلام بكلمة « السّلام » مصطلحا للتّحيّة بين المسلمين ، والآية موضوع البحث مع كونها عامّة شاملة لأنواع التّحيّة ، لكنّ المصداق الأوضح والأظهر لها يتجسّد في كلمة « السّلام » .
وبناء على ذلك فإنّ المسلمين مكلّفون بردّ السّلام بأحسن منه أو على الأقلّ بما يماثله .
وفي آية أخرى إشارة واضحة إلى أنّ السّلام هو التّحيّة ؛ حيث تقول :
فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
النّور : 61 ، ويمكن الاستدلال من هذه الآية على أنّ عبارة « السّلام عليكم » هي في الأصل سلام اللّه عليكم ، أي ليهبك اللّه السّلامة والأمن . وهكذا يتّضح لنا أنّ السّلام يعتبر دلالة على الحبّ والودّ المتبادل ، كما هو دلالة على نبذ الحرب والنّزاع والخصام .
وقد دلّت آيات قرآنيّة أخرى على أنّ السّلام هو تحيّة أهل الجنّة ؛ حيث يقول سبحانه :
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً
الفرقان :
75 ، ويقول تعالى :
تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ . . .
إبراهيم : 23 .
كما أنّ آيات قرآنيّة أخرى دلّت على أنّ السّلام أو أيّ صيغة أخرى تعادله ، كان سائدا بين الأقوام الّتي سبقت الإسلام ، وهذا هو ما تشير إليه الآية : 25 من سورة الذّاريات ، في قصّة إبراهيم مع الملائكة ، حيث تقول :
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ .
والشّعر الجاهليّ فيه دلائل تثبت أنّ السّلام كان أيضا تحيّة أهل الجاهليّة .
إنّ تحيّة الإسلام تبرز أهمّيّتها وقيمتها العظيمة ، لدى مقارنتها بما لها من نظائر ، لدى الأمم والأقوام الأخرى .
النّصوص الإسلاميّة تؤكّد كثيرا على السّلام والتّحيّة ؛ حيث يروى عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال : « من بدأ بالكلام قبل السّلام فلا تجيبوه » . كما يروى عن الإمام الصّادق عليه السّلام أنّ اللّه يقول : « البخيل من يبخل بالسّلام » ، وعن الإمام الباقر عليه السّلام : « إنّ اللّه يحبّ إفشاء السّلام » .
وقد ورد في الرّوايات والأحاديث آداب كثيرة للتّحيّة والسّلام ، منها : أنّ السّلام يجب أن يشيع بين جميع أبناء المجتمع ، وأن لا ينحصر في إطار الأصدقاء