كلام في معنى التّحيّة
الأمم والأقوام على اختلافها في الحضارة والتّوحّش والتّقدّم والتّأخّر ، لا تخلو في مجتمعاتهم من تحيّة يتعارفونها عند الملاقاة ؛ ملاقاة البعض البعض على أقسامها وأنواعها من الإشارة بالرّأس واليد ورفع القلانس وغير ذلك ، وهي مختلفة باختلاف العوامل المختلفة العاملة في مجتمعاتهم .
وأنت إذا تأمّلت هذه التّحيّات الدّائرة بين الأمم على اختلافها وعلى اختلافهم ، وجدتها حاكية مشيرة إلى نوع من الخضوع والهوان والتّذلّل يبديه الدّاني للعالي ، والوضيع للشّريف ، والمطيع لمطاعه ، والعبد لمولاه . وبالجملة تكشف عن رسم الاستبعاد الّذي لم يزل رائجا بين الأمم في أعصار الهمجيّة فما دونها ، وإن اختلفت ألوانه ، ولذلك ما نرى أنّ هذه التّحيّة تبدأ من المطيع وتنتهي إلى المطاع ، وتشرع من الدّاني الوضيع وتختتم في العالي الشّريف ، فهي من ثمرات الوثنيّة الّتي ترتضع من ثدي الاستعباد .
والإسلام - كما تعلم - أكبر همّه إمحاء الوثنيّة وكلّ رسم من الرّسوم ينتهي إليها ، ويتولّد منها ، ولذلك أخذ لهذا الشّأن طريقة سويّة وسنّة مقابلة لسنّة الوثنيّة ورسم الاستعباد ، وهو إلقاء السّلام الّذي هو بنحو أمن المسلّم عليه من التّعدّي عليه ، ودحض حرّيّته الفطريّة الإنسانيّة الموهوبة له ، فإنّ أوّل ما يحتاج إليه الاجتماع التّعاونيّ بين الأفراد هو أن يأمن بعضهم بعضا في نفسه وعرضه وماله ، وكلّ أمر يؤول إلى أحد هذه الثّلاثة .
وهذا هو السّلام الّذي سنّ اللّه تعالى إلقائه عند كلّ تلاق من متلاقيين ، قال تعالى :
فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً
النّور : 61 ، وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
النّور : 27 ، وقد أدّب اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وآله بالتّسليم للمؤمنين وهو سيّدهم ، فقال :
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
الأنعام : 54 ، وأمره بالتّسليم لغيرهم في قوله :
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
الزّخرف : 89 .
والتّحيّة بإلقاء السّلام كانت معمولا بها عند عرب الجاهليّة على ما يشهد به المأثور عنهم من شعر ونحوه .
وفي « لسان العرب » : وكانت العرب في الجاهليّة يحيون بأن يقول أحدهم لصاحبه : أنعم صباحا ، وأبيت اللّعن ، ويقولون : سلام عليكم ، فكأنّه علامة المسالمة ، وأنّه لا حرب هنالك . ثمّ جاء اللّه بالإسلام فقصروا على السّلام ، وأمروا بإفشائه ، انتهى .
إلّا أنّ اللّه سبحانه يحكيه في قصص إبراهيم عنه عليه السّلام كثيرا ؛ ولا يخلو ذلك من شهادة على أنّه كان من بقايا دين إبراهيم الحنيف عند العرب كالحجّ ونحوه ، قال تعالى : حكاية عنه فيما يحاور أباه :
قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي
مريم : 47 ، وقال تعالى :
وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ
هود : 69 ، والقصّة واقعة في غير مورد من القرآن الكريم .
ولقد أخذه اللّه سبحانه تحيّة لنفسه ، واستعمله في موارد من كلامه ، قال تعالى :
سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ
الصّافّات : 79 ، وقال :
سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ