تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 792

مساهمون:

ص٧٩٢
واللّه سبحانه وتعالى يقول :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ
الرّحمن : 60 ، ومقابلة الإحسان بالإحسان ليست جزاء له ، وإنّما هي وقاء له ، والجزاء يكون بمقابلة الإحسان بما هو أحسن من هذا الإحسان . والتّحيّة الطّيّبة بين المسلمين هي من الشّفاعة الحسنة الّتي أشارت إليها الآية السّابقة . وهي وجه من وجوه تلك الشّفاعة . وتحيّة الإسلام ، هي كلمة : « السّلام » مشتقّة من الإسلام ، يلقى بها الإنسان أخاه قائلا : « السّلام عليكم » ، فيلقاه أخوه بها قائلا : « وعليكم السّلام ورحمة اللّه » . وفي هذا الجوّ الّذي تتردّد في جنباته كلمات السّلام ، تفيء النّفوس إلى السّلم ، وتهفو إلى العافية ، وتستروح روح المودّة والإخاء . وإذ يأخذ المسلمون أنفسهم بهذا الأدب الإسلاميّ ؛ وإذ تشيع بينهم هذه الكلمة الطّيّبة الرّائعة ؛ وإذ ينطق بها من نطق عن وعي ويقظة ؛ وإذا يتلقّاها من تلقّى عن إدراك وفهم ، فإنّك لن تجد في مجتمع يتّخذ هذه الكلمة شعارا ودثارا ؛ قلبا يحمل بغضة ، أو صدرا ينطوي على عداوة ، وإنّه لا شيء إلّا المودّة والحبّ والسّلام . وإذا كان الإسلام قد آثر كلمة « السّلام » لما يشعّ منها من المعاني الكريمة الطّيّبة ، الّتي تقتل جراثيم العداوة والبغضة ، فإنّه - مع هذا - يتقبّل أيّة تحيّة طيّبة يتبادلها النّاس ، ويتوسّمون فيها سمات الخير والإحسان . ولهذا جاء قوله تعالى :
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
غير مقيّد التّحيّة بقيد مخصوص ، ولا واقف بها على صورة خاصّة ، ليتيح للنّاس من التّحايا ما يغذّي عواطف الأخوّة والمودّة بينهم ، سواء أكانت تلك التّحيّة لفظة ملفوظة ، أو حركة معبّرة ، أو إشارة دالّة ، أو إماءة موحية ؛ إذ لا يعني الإسلام من هذا إلّا الأثر المترتّب عليه ، ولا يعينه شيء ممّا يظهر فيه من صور وأشكال . وإن كانت كلمة السّلام هي تحيّة الإسلام وشارة المسلمين . ( 3 : 852 ) مكارم الشّيرازيّ : رغم أنّ بعض المفسّرين يرون أنّ العلاقة بين هذه الآية والآيات السّابقة ناشئة عن كون الآيات تلك تناولت موضوع الجهاد والحرب ، والآية الأخيرة تدعو المسلمين إلى أن يواجهوا كلّ بادرة سلميّة من قبل العدوّ بموقف يناسبها ، ولكن هذه الصّلة لا تمنع أن تكون الآية الأخيرة حكما عامّا يشمل كلّ أقسام تبادل المشاعر الخيّرة النّبيلة بين مختلف الأطراف والأفراد . وهذه الآية تأمر المسلمين بمقابلة مشاعر الحبّ بما هو أحسن منها ، أو على الأقلّ بما يساويها أو يكون مثلها ، فتقول الآية :
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها .
والتّحيّة مشتقّة من « الحياة » وتعني الدّعاء لدوام حياة الآخرين ، سواء كانت التّحيّة بصيغة « السّلام عليكم » أو « حيّاك اللّه » ، أو ما شاكلهما من صيغ التّحيّة والسّلام . ومهما تنوّعت صيغ التّحيّة بين مختلف الأقوام تكون صيغة « السّلام » المصداق الأوضح من كلّ تلك الأنواع ، ولكن بعض الرّوايات والتّفاسير تفيد أنّ مفهوم التّحيّة يشمل - أيضا - التّعامل الودّيّ العمليّ بين النّاس . في تفسير عليّ بن إبراهيم عن الباقر والصّادق عليهما السّلام أنّ : « المراد بالتّحيّة في الآية : السّلام وغيره من البرّ » .