يجتهدون بنشر دينهم ، ويوزّعون كثيرا من كتبه على النّاس مجّانا ، ويعلّمون أولاد المخالفين لهم في مدارسهم ليقرّبوهم من دينهم ، ويجتهدون في تحويل النّاس إلى عاداتهم وشعائرهم ليقربوا من دينهم ، حتّى أنّ الأوربّيّين فرحوا فرحا شديدا عندما وافقهم خديو مصر « إسماعيل باشا » على استبدال التّاريخ المسيحيّ بالتّاريخ الهجريّ ، وعدّوا هذا من آيات الفتح . ونرى القوم الآن يسعون في جعل يوم الأحد عيدا أسبوعيّا للمسلمين ، يشاركون فيه النّصارى بالبطالة . ومع هذا كلّه نرى المسلمين لا يزالون يحبّون منع غيرهم من الأخذ بآدابهم وعاداتهم ، ويزعمون أنّ هذا تعظيم للدّين ، وكأنّ هذا التّعظيم لا نهاية له إلّا حجب هذا الدّين عن العالمين ، إنّ هذا لهو البلاء المبين ، وسيرجعون عنه بعد حين » ، انتهى . [ ثمّ أدام البحث في جواز السّلام على غير المسلم وعدمه ، فلاحظ ] ( 5 : 311 )
عزّة دروزة : ولم يرو المفسّرون فيما اطّلعنا عليه رواية خاصّة في مناسبة نزول الآية . وكلام المفسّرين فيها كلام عن آية مستقلّة فيها تأديب وتعليم للمسلمين في صدد السّلام . والّذي يتبادر لنا أنّها هي الأخرى متّصلة بالآيات السّابقة كسابقتها ، اتّصال تعقيب وعظة وتأديب وتمثيل ، فالمسلمون قد دعوا إلى الجهاد وهي دعوة إلى الخير .
والمنافقون يقفون من هذه الدّعوة موقف المعارضة والتّثبيط . وواجب المسلمين الإجابة على الدّعوة وأن لا يقصّروا في ذلك أو يثبطوا عنها ، كما هو الأمر في حالة ما إذا حيّوا بتحيّة ، حيث يجب عليهم أن يقابلوها بما هو أحسن منها أو بمثلها .
والآية بحدّ ذاتها فصل تامّ المعنى ، تحتوي تلقينا تأديبيّا رفيعا للمسلمين في كلّ ظرف ، بوجوب مقابلة التّحيّة بأحسن منها أو بمثلها على الأقلّ . وروحها تلهم أنّ التّلقين التّأديبيّ شامل للتّحيّة أو الكلمة الطّيّبة أو الدّعوة الطّيّبة العمل « 1 » الطّيّب على السّواء . وتوجب على المسلم حسن المقابلة على أيّ قول وعمل فيه خير وأدب وعطف وبرّ ونفع .
وإطلاق الجملة القرآنيّة ، وصيغة المجهول في جملة :
وَإِذا حُيِّيتُمْ
تسوّغان القول : إنّ الأمر فيها عامّ ، يشمل كلّ فئة من النّاس ، بقطع النّظر عن الجنس والدّين والعمر . [ ثمّ نقل الأحاديث ] ( 9 : 127 )
مغنيّة : اتّخذ الإسلام كلمة التّوحيد شعارا لعقيدته ، وجعل السّلام تحيّته المختصّة به ، للإشارة إلى أنّ منهاجه في الحياة هو نشر السّلام ومقاومة العدوان ، بالإضافة إلى أنّ معنى الإسلام : التّسليم للعدل والإحسان والخير والأمان ، وفوق ذلك كلّه ، فإنّ السّلام من أسماء اللّه تعالى :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
الحشر : 23 . ( 2 : 395 )
الطّباطبائيّ : أمر بالتّحيّة قبال التّحيّة بما يزيد عليها أو يماثلها ، وهو حكم عامّ لكلّ تحيّة حيّي بها ، غير أنّ مورد الآيات هو تحيّة السّلم والصّلح الّتي تلقى إلى المسلمين ، على ما يظهر من الآيات التّالية . [ إلى أن قال : ]
هامش
( 1 ) كذا ، والظّاهر : والعمل .