الثّلاثة في الابتداء أعادها في الجواب . روي « 1 » أنّ رجلا قال للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم . [ وذكر نحو ما مرّ عن سلمان الفارسيّ ، وقال في آخره : ] فقال عليه الصّلاة والسّلام : وعليك السّلام ورحمة اللّه وبركاته ، فقال الرّجل : نقصتني ، فأين قول اللّه :
فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها ؟
فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّك ما تركت لي فضلا ، فرددت عليك ما ذكرت .
المسألة الخامسة : المبتدئ يقول : السّلام عليك ، والمجيب يقول : وعليكم السّلام ، هذا هو التّرتيب الحسن ، والّذي خطر ببالي فيه : أنّه إذا قال : السّلام عليكم ، كان الابتداء واقعا بذكر اللّه ، فإذا قال المجيب : وعليكم السّلام ، كان الاختتام واقعا بذكر اللّه ، وهذا يطابق قوله :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ
الحديد : 3 ، وأيضا لمّا وقع الابتداء والاختتام بذكر اللّه فإنّه يرجى أن يكون ما وقع بينهما يصير مقبولا ببركته ، كما في قوله :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
هود : 114 . فلو خالف المبتدئ فقال : وعليكم السّلام فقد خالف السّنّة ، فالأولى للمجيب أن يقول : وعليكم السّلام ؛ لأنّ الأوّل لمّا ترك الافتتاح بذكر اللّه ، فهذا لا ينبغي أن يترك الاختتام بذكر اللّه .
المسألة السّادسة : إن شاء قال : سلام عليكم ، وإن شاء قال : السّلام عليكم ، قال تعالى في حقّ نوح :
يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا
هود : 48 ، وقال عن الخليل :
قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي
مريم : 48 ، وقال في قصّة لوط :
قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ ، *
وقال عن يحيى :
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
مريم : 15 ، وقال عن محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم :
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ
النّمل : 59 ، وقال عن الملائكة :
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ
الرّعد : 23 ، 24 ، وقال عن ربّ العزّة :
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
يس : 58 ، وقال :
فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
الأنعام : 54 .
وأمّا بالألف واللّام فقوله من موسى عليه السّلام :
فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
طه : 47 ، وقال عن عيسى عليه السّلام :
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ
مريم : 33 ، فثبت أنّ الكلّ جائز . وأمّا في التّحليل من الصّلاة فلا بدّ من الألف واللّام بالاتّفاق .
واختلفوا في سائر المواضع أنّ التّنكير أفضل أم التّعريف ؟ فقيل : التّنكير أفضل ، ويدلّ عليه وجوه :
الأوّل : أنّ لفظ السّلام على سبيل التّنكير كثير في القرآن ، فكان أفضل .
الثّاني : أنّ كلّ ما ورد من اللّه والملائكة والمؤمنين فقد ورد بلفظ التّنكير على ما عدّدناه في الآيات . وأمّا بالألف واللّام فإنّما ورد في تسليم الإنسان على نفسه ، قال موسى صلّى اللّه عليه وسلّم :
وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
طه : 47 ، وقال عيسى عليه الصّلاة والسّلام :
وَالسَّلامُ عَلَيَّ .
والثّالث : وهو المعنى المعقول أنّ لفظ السّلام بالألف واللّام يدلّ على أصل الماهيّة ، والتّنكير يدلّ على أصل الماهيّة مع وصف الكمال ، فكان هذا أولى .
المسألة السّابعة : قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « السّنّة أن يسلّم الرّاكب على الماشي ، وراكب الفرس على راكب الحمار ، والصّغير على الكبير ، والأقلّ على الأكثر ، والقائم على القاعد » .
هامش
( 1 ) ذكر الرّواية قبلا سلمان الفارسيّ .