تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 776

مساهمون:

ص٧٧٦
بأحسن ممّا سلّم ، إن كان مؤمنا ، وإلّا فليقل : وعليكم ، لا يزيد على ذلك ، فقوله :
بِأَحْسَنَ مِنْها
للمسلمين خاصّة . [ ثمّ أدام الكلام بنقل الأقوال والرّوايات ] ( 2 : 85 ) الفخر الرّازيّ : في الآية مسائل : المسألة الأولى : التّحيّة « تفعلة » من حيّيت ، وكان في الأصل تحيية ، مثل التّوصية والتّسمية ، والعرب تؤثر « التّفعلة » على « التّفعيل » في ذوات الأربعة . نحو قوله :
وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ
الواقعة : 94 ، فثبت أنّ التّحيّة أصلها التّحيية ، ثمّ أدغموا الياء في الياء . المسألة الثّانية : اعلم أنّ عادة العرب قبل الإسلام أنّه إذا لقي بعضهم بعضا قالوا : حيّاك اللّه ، واشتقاقه من « الحياة » كأنّه يدعو له بالحياة ، فكانت التّحيّة عندهم عبارة عن قول بعضهم لبعض : حيّاك اللّه . فلمّا جاء الإسلام أبدل ذلك بالسّلام ، فجعلوا التّحيّة اسما للسّلام . قال تعالى :
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ
الأحزاب : 44 ، ومنه قول المصلّي : التّحيّات للّه ، أي السّلام من الآفات للّه . والأشعار ناطقة بذلك ، قال عنترة :
* حيّيت من طلل تقادم عهده *
وقال آخر :
* إنّا محيّوك يا سلمى فحيّينا *
واعلم أنّ قول القائل لغيره : السّلام عليك ، أتمّ وأكمل من قوله : حيّاك اللّه ، وبيانه من وجوه : الأوّل : أنّ الحيّ إذا كان سليما كان حيّا لا محالة ، وليس إذا كان حيّا كان سليما ، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليّات . فثبت أنّ قوله : السّلام عليك ، أتمّ وأكمل من قوله : حيّاك اللّه . الثّاني : أنّ السّلام اسم من أسماء اللّه تعالى ، فالابتداء بذكر اللّه أو بصفة من صفاته الدّالّة على أنّه يريد إبقاء السّلامة على عباده أكمل من قوله : حيّاك اللّه . الثّالث : أنّ قول الإنسان لغيره : السّلام عليك ، فيه بشارة بالسّلامة ، وقوله : حيّاك اللّه لا يفيد ذلك ، فكان هذا أكمل . وممّا يدلّ على فضيلة السّلام القرآن والأحاديث والمعقول ؛ أمّا القرآن فمن وجوه : الأوّل : اعلم أنّ اللّه تعالى سلّم على المؤمن في اثني عشر موضعا : أوّلها : أنّه تعالى كأنّه سلّم عليك في الأزل ، ألا ترى أنّه قال في وصف ذاته :
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ
الحشر : 24 . وثانيها : أنّه سلّم على نوح وجعل لك من ذلك السّلام نصيبا ، فقال :
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ
هود : 48 ، والمراد منه أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . وثالثها : سلّم عليك على لسان جبريل ، فقال :
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
القدر : 4 ، 5 ، قال المفسّرون : إنّه عليه الصّلاة والسّلام خاف على أمّته أن يصيروا مثل أمّة موسى وعيسى عليهما الصّلاة والسّلام ، فقال اللّه : لا تهتمّ لذلك ، فإنّي وإن أخرجتك من الدّنيا ، إلّا أنّي جعلت جبريل خليفة لك ، ينزل إلى أمّتك كلّ ليلة قدر ، ويبلّغهم السّلام منّي . ورابعها : سلّم عليك على لسان موسى عليه السّلام ؛ حيث