والسّلامة :
فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
فادعوا لمن دعا لكم بذلك بأحسن ممّا دعا لكم ، أو ردّوها ، يقول : أو ردّوا التّحيّة .
ثمّ اختلف أهل التّأويل في صفة التّحيّة الّتي هي أحسن ممّا حيّا به المحيي ، والّتي هي مثلها ، فقال بعضهم :
الّتي هي أحسن منها أن يقول المسلّم عليه - إذا قيل :
السّلام عليكم - وعليكم السّلام ورحمة اللّه ، ويزيد على دعاء الدّاعي له ، والرّدّ أن يقول : السّلام عليكم مثلها ، كما قيل له ، أو يقول : وعليكم السّلام ، فيدعو الدّاعي له مثل الّذي دعا له .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فحيّوا بأحسن منها أهل الإسلام ، أو ردّوها على أهل الكفر .
وأولى التّأويلين بتأويل الآية ، قول من قال : ذلك في أهل الإسلام . ووجّه معناه إلى أنّه يردّ السّلام على المسلم إذا حيّاه تحيّة أحسن من تحيّته أو مثلها ؛ وذلك أنّ الصّحاح من الآثار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه واجب على كلّ مسلم ردّ تحيّة كلّ كافر أحسن من تحيّته « 1 » ، وقد أمر اللّه بردّ الأحسن والمثل في هذه الآية ، من غير تمييز منه بين المستوجب ردّ الأحسن من تحيّته عليه ، والمردود عليه مثلها ، بدلالة يعلم بها صحّة قول من قال : عنى بردّ الأحسن : المسلم ، وبردّ المثل : أهل الكفر .
والصّواب إذا لم يكن في الآية دلالة على صحّة ذلك ، ولا بصحّته أثر لازم عن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن يكون الخيار في ذلك إلى المسلّم عليه بين ردّ الأحسن ، أو المثل ، إلّا في الموضع الّذي خصّ شيئا من ذلك سنّة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيكون مسلّما لها .
وقد خصّت السّنّة أهل الكفر بالنّهي عن ردّ الأحسن من تحيّتهم عليهم أو مثلها ، إلّا بأن يقال :
وعليكم ، فلا ينبغي لأحد أن يتعدّى ما حدّ في ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
فأمّا أهل الإسلام ، فإنّ لمن سلّم عليه منهم في الرّدّ من الخيار ، ما جعل اللّه له من ذلك . وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في تأويل ذلك بنحو الّذي قلنا ، خبر .
فإن قال قائل : أفواجب ردّ التّحيّة على ما أمر اللّه به في كتابه ؟ قيل : نعم ، وبه كان يقول جماعة من المتقدّمين . ( 5 : 188 )
الزّجّاج : قال النّحويّون : ( أحسن ) ها هنا صفة لا تنصرف ؛ لأنّه على وزن « أفعل » وهو صفة .
والمعنى فحيّوا بتحيّة أحسن منها ، وقيل في التّفسير :
التّحيّة ها هنا السّلام ، وهي « تفعلة » من حيّيت ، ومعنى
فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها
إذا قيل لكم : السّلام عليكم ، فقولوا : وعليكم السّلام ورحمة اللّه ، فالتّحيّة الّتي هي أحسن منها هي : وعليكم السّلام ورحمة اللّه وبركاته .
ويقال : لكلّ شيء منتهى ، ومنتهى السّلام كلمة : وبركاته .
[ ثمّ نقل رواية سلمان عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : ]
وهذا دليل أنّ آخر ما في السّنّة من السّلام كلمة :
بركاته . ( 2 : 86 )
نحوه البغويّ . ( 1 : 669 )
الماورديّ : في المراد بالتّحيّة ها هنا قولان :
أحدهما : أنّه الدّعاء بطول الحياة .
والثّاني : السّلام تطوّع مستحبّ ، وردّه فرض .
( 1 : 513 )
هامش
( 1 ) كذا ! ! ولا بدّ من ذكر المصدر عن الصّحاح .