تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 753

مساهمون:

ص٧٥٣
التّفات بين أحوال الدّنيا وأحوال الآخرة في أمور : أحدها : أنّ خيرات الدّنيا خسيسة وخيرات الآخرة شريفة ، بيان أنّ الأمر كذلك وجوه : الأوّل : أنّ خيرات الدّنيا ليست إلّا قضاء الشّهوتين ، وهو في نهاية الخساسة ، بدليل أنّ الحيوانات الخسيسة تشارك الإنسان فيه ، بل ربّما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل من أمر الإنسان ، فإنّ الجمل أكثر أكلا ، والدّيك والعصفور أكثر وقاعا ، والذّئب أقوى على الفساد والتّمزيق ، والعقرب أقوى على الإيلام . وممّا يدلّ على خساستها أنّها لو كانت شريفة لكان الإكثار منها يوجب زيادة الشّرف ، فكان يجب أن يكون الإنسان الّذي وقف كلّ عمره على الأكل والوقاع أشرف النّاس ، وأعلاهم درجة . ومعلوم بالبديهة أنّه ليس الأمر كذلك بل مثل هذا الإنسان يكون ممقوتا مستقذرا مستحقرا ، يوصف بأنّه بهيمة أو كلب أو أخسّ . وممّا يدلّ على ذلك إنّ النّاس لا يفتخرون بهذه الأحوال بل يخفونها ، ولذلك كان العقلاء عند الاشتغال بالوقاع يختفون ولا يقدمون على هذه الأفعال بمحضر من النّاس ؛ وذلك يدلّ على أنّ هذه الأفعال لا توجب الشّرف بل النّقص . وممّا يدلّ على ذلك أيضا أنّ النّاس إذا شتم بعضهم بعضا لا يذكرون فيه إلّا الألفاظ الدّالّة على الوقاع ، ولولا أنّ تلك اللّذّة من جنس النّقصانات ، وإلّا لما كان الأمر كذلك . وممّا يدلّ عليه أنّ هذه اللّذّات ترجع حقيقتها إلى دفع الآلام ؛ ولذلك فإنّ كلّ من كان أشدّ جوعا وأقوى حاجة كان التذاذه بهذه الأشياء أكمل له وأقوى ، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أنّه لا حقيقة لهذه اللّذّات في نفس الأمر . وممّا يدلّ عليه أيضا أنّ هذه اللّذّات سريعة الاستحالة ، سريعة الزّوال ، سريعة الانقضاء . فثبت بهذه الوجوه الكثيرة خساسة هذه اللّذّات . وأمّا السّعادات الرّوحانيّة فإنّها سعادات شريفة عالية باقية مقدّسة ، ولذلك فإنّ جميع الخلق إذا تخيّلوا في الإنسان كثرة العلم وشدّة الانقباض عن اللّذّات الجسمانيّة ، فإنّهم بالطّبع يعظّمونه ويخدمونه ويعدّون أنفسهم عبيدا لذلك الإنسان وأشقياء بالنّسبة إليه ؛ وذلك يدلّ على شهادة الفطرة الأصليّة بخساسة اللّذّات الجسمانيّة ، وكمال مرتبة اللّذّات الرّوحانيّة . الوجه الثّاني : في بيان أنّ خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدّنيا ، هو أن نقول : هب أنّ هذين النّوعين تشاركا في الفضل والمنقبة ، إلّا أنّ الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد القيامة معلوم قطعا . وأمّا الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد الدّنيا فغير معلوم ، بل ولا مظنون ، فكم من سلطان قاهر في بكرة اليوم صار تحت التّراب في آخر ذلك اليوم ، وكم من أمير كبير أصبح في الملك والإمارة ، ثمّ أمسى أسيرا حقيرا ، وهذا التّفاوت أيضا يوجب المباينة بين النّوعين . الوجه الثّالث : هب أنّه وجد الإنسان بعد هذا اليوم يوما آخر في الدّنيا ، إلّا أنّه لا يدري هل يمكنه الانتفاع بما جمعه من الأموال والطّيّبات واللّذّات أم لا ؟ أمّا كلّ ما جمعه من موجبات السّعادات ، فإنّه يعلم قطعا أنّه ينتفع