وراء الحياة الدّنيا حياة أخرى يلقون فيها من الخطوب ما يلقون ، بيّن جلّ شأنه حال تينك الحياتين في أنفسهما ، وجعله بعضهم جوابا لقولهم :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ،
وفيه بعد ، وكيفما كان فالمراد : وما أعمال الحياة الدّنيا المختصّة بها إلّا كاللّعب واللّهو في عدم النّفع والثّبات .
وبهذا التّقدير خرج - كما قال غير واحد - ما فيها من الأعمال الصّالحة كالعبادة وما كان لضرورة المعاش ، والكلام من التّشبيه البليغ ولو لم يقدّر مضاف ، وجعلت الدّنيا نفسها لعبا ولهوا مبالغة . ( 7 : 133 )
ابن عاشور : لمّا جرى ذكر السّاعة وما يلحق المشركين فيها من الحسرة على ما فرّطوا ، ناسب أن يذكّر النّاس بأنّ الحياة الدّنيا زائلة ، وأنّ عليهم أن يستعدّوا للحياة الآخرة . فيحتمل أن يكون جوابا لقول المشركين :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
الأنعام : 29 ، فتكون الواو للحال ، أي تقولون : إن هي إلّا حياتنا الدّنيا ، ولو نظرتم حقّ النّظر لوجدتم الحياة الدّنيا لعبا ولهوا ، وليس فيها شيء باق ، فلعلمتم أنّ وراءها حياة أخرى فيها من الخيرات ما هو أعظم ممّا في الدّنيا ، وإنّما يناله المتّقون ، أي المؤمنون ، فتكون الآية إعادة لدعوتهم إلى الإيمان والتّقوى ، ويكون الخطاب في قوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
التفاتا من الحديث عنهم بالغيبة إلى خطابهم بالدّعوة .
ويحتمل أنّه اعتراض بالتّذييل لحكاية حالهم في الآخرة ، فإنّه لمّا حكى قولهم :
يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها
الأنعام : 31 ، علم السّامع أنّهم فرّطوا في الأمور النّافعة لهم في الآخرة بسبب الانهماك في زخارف الدّنيا ، فذيّل ذلك بخطاب المؤمنين تعريفا بقيمة زخارف الدّنيا ، وتبشيرا لهم بأنّ الآخرة هي دار الخير للمؤمنين ، فتكون ( الواو ) عطفت جملة البشارة على حكاية النّذارة ، والمناسبة هي التّضادّ . وأيضا في هذا نداء على سخافة عقولهم إذ غرّتهم في الدّنيا فسوّل لهم الاستخفاف بدعوة اللّه إلى الحقّ . فيجعل قوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
خطابا مستأنفا للمؤمنين ، تحذيرا لهم من أن تغرّهم زخارف الدّنيا ، فتلهيهم عن العمل للآخرة .
وهذا الحكم عامّ على جنس الحياة الدّنيا ، فالتّعريف في الحياة تعريف الجنس ، أي الحياة الّتي يحياها كلّ أحد المعروفة بالدّنيا ، أي الأولى والقريبة من النّاس ، وأطلقت الحياة الدّنيا على أحوالها ، أو على مدّتها . [ إلى أن قال : ]
وقد أفادت صيغة :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
قصر الحياة على اللّعب واللّهو ، وهو قصر موصوف على صفة . والمراد بالحياة : الأعمال الّتي يحبّ الإنسان الحياة لأجلها ؛ لأنّ الحياة مدّة وزمن لا يقبل الوصف بغير أوصاف الأزمان من طول أو قصر ، وتحديد أو ضدّه ، فتعيّن أنّ المراد بالحياة : الأعمال المظروفة فيها ، واللّعب واللّهو في قوة الوصف ، لأنّهما مصدران أريد بهما الوصف للمبالغة ، كقول الخنساء :
* فإنّما هي إقبال وإدبار *
وهذا القصر ادّعائيّ يقصد به المبالغة ، لأنّ الأعمال الحاصلة في الحياة كثيرة ، منها اللّهو واللّعب . ومنها غيرهما . قال تعالى :
أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
الحديد :