به في الدّار الآخرة .
الوجه الرّابع : هب أنّه ينتفع بها إلّا أنّ انتفاعه بخيرات الدّنيا لا يكون خاليا عن شوائب المكروهات ، وممازجة المحرّمات المخوّفات . ولذلك قيل : من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق . فقيل : وما هو يا رسول اللّه ؟
قال : « سرور يوم بتمامه » .
الوجه الخامس : هب أنّه ينتفع بتلك الأموال والطّيّبات في الغد ، إلّا أنّ تلك المنافع منقرضة ذاهبة باطلة ، وكلّما كانت تلك المنافع أقوى وألذّ وأكمل وأفضل ، كانت الأحزان الحاصلة عند انقراضها وانقضائها أقوى وأكمل ، كما قال الشّاعر المتنبّي :
أشدّ الغمّ عندي في سرور * تيقّن عنه صاحبه انتقالا
فثبت بما ذكرنا أنّ سعادات الدّنيا وخيراتها موصوفة بهذه العيوب العظيمة ، والنّقصانات الكاملة وسعادات الآخرة مبرّأة عنها ، فوجب القطع بأنّ الآخرة أكمل وأفضل وأبقى وأتقى وأحرى وأولى . ( 12 : 200 )
البيضاويّ : أي وما أعمالها إلّا لعب ولهو ، تلهي النّاس وتشغلهم عمّا يعقب منفعة دائمة ولذّة حقيقيّة ، وهو جواب لقولهم :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
الأنعام :
29 . ( 1 : 308 )
نحوه الشّربينيّ ( 1 : 417 ) ، والكاشانيّ ( 2 : 116 ) .
النّسفيّ : قيل : ما أهل الحياة الدّنيا إلّا أهل لعب ولهو .
وقيل : ما أعمال الحياة الدّنيا إلّا لعب ولهو ، لأنّها لا تعقب منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة .
( 2 : 9 )
الخازن : هل المراد بهذه الحياة حياة المؤمن أو الكافر ؟ قولان :
أحدهما : أنّ المراد بها حياة الكافر ، لأنّ المؤمن لا يزداد بحياته في الدّنيا إلّا خيرا ؛ لأنّه يحصل في أيّام حياته من الأعمال الصّالحة والطّاعة ما يكون سببا لحصول السّعادة في الآخرة ، وأمّا الكافر فإنّ كلّ حياته في الدّنيا وبال عليه .
والقول الثّاني : أنّ هذا عامّ في حياة المؤمن والكافر ، لأنّ الإنسان يلتذّ باللّعب واللّهو ، ثمّ عند انقضائه تحصل له الحسرة والنّدامة ، لأنّ الّذي كان فيه من اللّعب واللّهو سريع الزّوال لا بقاء له ، فبان بهذا التّقرير أنّ المراد بهذه الحياة حياة المؤمن والكافر ، وأنّه عامّ فيهما ، وإنّما شبّه الحياة الدّنيا باللّعب واللّهو لسرعة زوالها وقصر عمرها ، كالشّيء الّذي يلعب به . ( 2 : 107 )
أبو السّعود : والمعنى إمّا على حذف المضاف ، أو على جعل الحياة الدّنيا نفس اللّعب واللّهو مبالغة . [ ثمّ استشهد بشعر ]
أي وما أعمال الدّنيا ، أي الأعمال المتعلّقة بها من حيث هي هي ، أو ما هي من حيث إنّها محلّ لكسب تلك الأعمال إلّا لعب يشغل النّاس ويلهيهم ، بما فيه من منفعة سريعة الزّوال ولذّة وشيكة الاضمحلال ، عمّا يعقبهم من منفعة جليلة باقية ، ولذّة حقيقيّة غير متناهية من الإيمان والعمل الصّالح . ( 2 : 373 )
نحوه البروسويّ . ( 3 : 23 )
الآلوسيّ : لمّا حقّق سبحانه وتعالى فيما سبق أنّ