تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 756

مساهمون:

ص٧٥٦
20 ، فالحياة تشتمل على أحوال كثيرة منها الملائم كالأكل واللّذّات ، ومنها المؤلم كالأمراض والأحزان . فأمّا المؤلمات فلا اعتداد بها هنا ولا التفات إليها ، لأنّها ليست ممّا يرغب فيه الرّاغبون ، لأنّ المقصود من ذكر الحياة هنا ما يحصل فيها ممّا يحبّها النّاس لأجله ، وهو الملائمات . وأمّا الملائمات فهي كثيرة ، ومنها ما ليس بلعب ولهو ، كالطّعام والشّراب والتّدفّئ في الشّتاء والتّبرّد في الصّيف ، وجمع المال عند المولع به ، وقرى الضّيف . ونكاية العدوّ ، وبذل الخير للمحتاج ، إلّا أنّ هذه لمّا كان معظمها يستدعي صرف همّة وعمل ، كانت مشتملة على شيء من التّعب وهو منافر . فكان معظم ما يحبّ النّاس الحياة لأجله هو اللّهو واللّعب ، لأنّه الأغلب على أعمال النّاس في أوّل العمر ، والغالب عليهم فيما بعد ذلك . فمن اللّعب : المزاح ومغازلة النّساء ، ومن اللّهو : الخمر والميسر والمغاني والأسمار وركوب الخيل والصّيد . فأمّا أعمالهم في القربات كالحجّ والعمرة والنّذر والطّواف بالأصنام والعتيرة ونحوها ؛ فلأنّها لمّا كانت لا اعتداد بها بدون الإيمان كانت ملحقة باللّعب ، كما قال تعالى :
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
الأنفال : 35 ، وقال :
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
الأعراف : 51 . فلا جرم كان الأغلب على المشركين والغالب على النّاس اللّعب واللّهو ، إلّا من آمن وعمل صالحا . فلذلك وقع القصر الادّعائيّ في قوله :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ .
( 6 : 68 ) الطّباطبائيّ : فيه بيان حال الحياتين : الدّنيا والآخرة . والمقايسة بينهما ، فالحياة الدّنيا لعب ولهو ليس إلّا ، فإنّها تدور مدار سلسلة من العقائد الاعتباريّة والمقاصد الوهميّة ، كما يدور عليه اللّعب ، فهي لعب ، ثمّ هي شاغلة للإنسان عمّا يهمّه من الحياة الأخرى الحقيقيّة الدّائمة ، فهي لهو ، والحياة الآخرة لكونها حقيقيّة ثابتة فهي خير ، ولا ينالها إلّا المتّقون ، فهي خير لهم . ( 7 : 57 ) عبد الكريم الخطيب : هو تعقيب على هذا الحكم الّذي حكم به سبحانه على أهل الضّلال والكفر ، فقد غرّتهم الحياة الدّنيا ، وألهتهم عن الآخرة ، فلم يعملوا لها ولم يقدّموا ليومها زادا ينفعهم في هذا الموقف العصيب . وهكذا هي الدّنيا لعب ولهو ، إذا وقف الإنسان نفسه عليها ، وحبس وجوده على مظاهرها ، دون أن يلتفت إلى ما بعدها من لقاء اللّه ، وموقف الحساب بين يديه . ولكنّه إن التفت إلى الآخرة الّتي وراء هذه الحياة الدّنيا ، لم تكن هذه الحياة الدّنيا لعبا ولهوا ، وإنّما تكون حياة جادّة عاملة ، تجمع الدّنيا والآخرة معا ، وبهذا تتفتّح أمام الإنسان آفاق فسيحة للعمل الطّيّب المثمر ، الّذي إن فاته حظّه منه في الدّنيا ، فلن يفوته ثوابه العظيم منه في الآخرة . ومن هنا كانت حياة المؤمنين باللّه واليوم الآخر ، حياة عامرة بالعمل والكفاح والجهاد ؛ إذ كان على المؤمن أن يملأ بوجوده وكفاحه دنياه وآخرته جميعا . . . أمّا الّذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ، فإنّ حياتهم فراغ في فراغ ، يدورون فيه حول أنفسهم . كما يدور الأطفال في لهوهم ولعبهم . ( 4 : 157 )